في كتاب جون كوين « بناء لغة الشعر» ..

بناء اللغة الشعرية بين البنية والدلالة .

يُعدّ كتاب جون كوين بناء لغة الشعر من الأعمال النقدية التي أسهمت في تعميق الوعي بطبيعة اللغة الشعرية بوصفها نظامًا خاصًا داخل اللغة الطبيعية، لا يقتصر على الزخرفة البلاغية أو الانفعال الوجداني، بل يقوم على بناء دقيق للعلاقات الصوتية والتركيبية والدلالية، بما يجعل القصيدة كيانًا لغويًا مستقلاً له قوانينه الداخلية. ينطلق كوين من مسلّمة أساسية مفادها أن الشعر لا يُعرّف بموضوعه ولا بعاطفته وحدهما، بل باللغة التي يُبنى بها، وبالطريقة التي تُعاد فيها صياغة العالم داخل بنية لغوية متوترة ومكثفة. ومن هنا يسعى هذا المقال إلى تلخيص أطروحات الكتاب، وتحليل مفاهيمه المركزية، ثم تقويمها في ضوء المناهج النقدية الحديثة، مع إضاءة إمكانات الإفادة منها في قراءة القصيدة العربية المعاصرة. أولاً: مفهوم اللغة الشعرية عند جون كوين يرى كوين أن اللغة الشعرية ليست انحرافًا عرضيًا عن اللغة اليومية، بل هي إعادة تنظيم شاملة لمستويات اللغة كلها: الصوتية، والصرفية، والتركيبية، والدلالية، والتداولية. فالقصيدة في تصوره فضاء تتحرر فيه الكلمات من وظائفها التواصلية المباشرة لتدخل في شبكة من العلاقات الإيقاعية والصورية والدلالية التي تمنحها طاقة إيحائية مضاعفة. ومن ثمّ فالشاعر لا يكتفي باختيار مفردات جميلة، بل يعيد بناء النظام اللغوي ذاته وفق منطق داخلي خاص، تتحول فيه الكلمة إلى عقدة دلالية، والجملة إلى إيقاع معنوي، والنص إلى بنية متماسكة تتجاوز مجموع أجزائها. ويؤكد كوين أن الشعر لا يُفهم من خلال المعجم وحده، بل من خلال الطريقة التي تُركّب بها العناصر داخل السياق. فالدلالة الشعرية ليست إحالة مباشرة إلى واقع خارجي، بل هي نتاج تفاعل معقد بين البنية الصوتية والإيقاعية من جهة، والبنية النحوية والدلالية من جهة أخرى. وهذا ما يجعل القصيدة، في نظره، نظامًا دلاليًا مفتوحًا، تتعدد فيه إمكانات القراءة بتعدد مسارات التأويل. ثانيًا: الإيقاع بوصفه بنية دلالية يولي كوين الإيقاع مكانة مركزية في بناء لغة الشعر، لا باعتباره وزنًا خارجيًا فحسب، بل بوصفه تنظيمًا داخليًا للحركة الصوتية والزمنية داخل النص. فالإيقاع، في تصوره، ليس خلفية موسيقية محايدة، بل عنصر دلالي يسهم في تشكيل المعنى. تكرار الأصوات، وتوازن المقاطع، وتجاور النبرات، كلها تخلق توترًا سمعيًا يوازي التوتر الدلالي، ويُسهم في توليد الإحساس والانفعال. ويمتد هذا الفهم للإيقاع إلى الشعر الحر وقصيدة النثر، حيث لا يختفي الإيقاع بل يتحول إلى إيقاع داخلي نابع من التوازي التركيبي، والتكرار الدلالي، والتقطيع البصري. ومن هنا يرفض كوين الفصل الحاد بين الشكل والمضمون، مؤكّدًا أن الإيقاع جزء من المعنى لا وعاء له. ثالثًا: الصورة الشعرية وبناء التخيل يرى كوين أن الصورة ليست مجرد تشبيه أو استعارة، بل هي آلية تفكير لغوي تعيد تنظيم العلاقة بين الذات والعالم. فالصورة الشعرية، في منظورِه، تُنشئ واقعًا موازياً، تُعاد فيه صياغة الأشياء وفق منطق التخيل لا منطق الإحالة المباشرة. وتكمن قيمتها في قدرتها على خلق توتر بين المألوف والمفارق، بين الحسي والمجرد، وبين الواقعي والرمزي. ويحلل كوين بنية الصورة من حيث عناصرها المكوّنة: المشبَّه، والمشبَّه به، والعلاقة الرابطة، ثم يبيّن كيف تتحول هذه العناصر داخل السياق الشعري إلى شبكة من الرموز المتداخلة. فالصورة لا تعمل منفردة، بل ضمن نظام من الصور يتنامى عبر القصيدة، مُكوِّنًا ما يسميه “الحقل التخييلي” الذي يمنح النص وحدته العضوية. رابعًا: التركيب والانزياح النحوي يعدّ الانزياح عن القواعد التركيبية المألوفة من أهم سمات لغة الشعر عند كوين. فالشاعر، عبر تقديم وتأخير، وحذف وإضمار، وكسر للتوقع النحوي، يخلق توترًا دلاليًا يُجبر القارئ على إعادة بناء المعنى. وهذا الانزياح لا يُفهم بوصفه خرقًا اعتباطيًا للنحو، بل باعتباره استراتيجية جمالية تهدف إلى تفجير الطاقة الكامنة في اللغة. ويؤكد كوين أن التركيب الشعري يحقق وظيفة مزدوجة: فهو من جهة يحافظ على قدر من النظام يسمح بالفهم، ومن جهة أخرى يزعزع هذا النظام بما يكفي لفتح أفق التأويل. ومن هذا التوازن بين القاعدة والانحراف تتولد شعرية النص. خامسًا: الدلالة والسياق والتأويل ينطلق كوين من رؤية تداولية تؤكد أن معنى القصيدة لا يُستنفد في معجمها ولا في بنيتها وحدها، بل يتشكل في تفاعلها مع القارئ والسياق الثقافي. فالدلالة الشعرية، في نظره، عملية دينامية تُعاد صياغتها في كل قراءة. غير أن هذا الانفتاح لا يعني الفوضى، لأن البنية اللغوية تظل تضبط مسارات التأويل وتوجّهها. ويشدّد كوين على أن القارئ شريك في بناء المعنى، لكنه شريك ملتزم بقوانين النص. ومن هنا يميّز بين التأويل المنتج الذي ينطلق من معطيات البنية، والتأويل الاعتباطي الذي يفرض على النص دلالات من خارجه. سادسًا: موقع كتاب كوين في سياق المناهج النقدية يتقاطع مشروع كوين مع البنيوية في تركيزه على البنية الداخلية للنص، ومع الأسلوبية في تحليله للانزياح والإيقاع، ومع التداولية في اهتمامه بدور السياق والقارئ. غير أنه لا ينتمي إلى أي من هذه المناهج انتماءً صريحًا، بل يسعى إلى تركيب رؤية شمولية ترى في اللغة الشعرية نظامًا متكاملًا يجمع الصوت والمعنى والتخيل. ويمتاز كتابه بقدرته على الجمع بين التحليل النظري والتطبيق النصي، ما يمنحه قيمة تعليمية ومنهجية، ويجعله مرجعًا مهمًا في دراسات الشعر. سابعًا: إمكانات الإفادة في قراءة القصيدة العربية المعاصرة تتيح أطروحات كوين إمكانات واسعة لقراءة الشعر العربي الحديث، ولا سيما قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، حيث تتجلى بوضوح فكرة الإيقاع الداخلي، والانزياح التركيبي، وتكثيف الصورة. كما أن نظرته إلى اللغة بوصفها بنية دلالية متكاملة تتقاطع مع جهود النقاد العرب الذين سعوا إلى تجاوز الفصل التقليدي بين الشكل والمضمون. ختاما: يقدّم كتاب بناء لغة الشعر لجون كوين رؤية عميقة للقصيدة بوصفها كيانًا لغويًا مركّبًا، تتفاعل فيه المستويات الصوتية والتركيبية والدلالية والتخيلية في وحدة عضوية. وتكمن قيمة الكتاب في تأكيده أن الشعر ليس زينة لغوية، بل فعل بناء يطال جوهر اللغة ذاتها. ومع ما قد يُؤخذ عليه من تركيز كبير على البنية الداخلية على حساب الأبعاد التاريخية والاجتماعية للنص، فإنه يظل إسهامًا أساسيًا في فهم آليات تشكّل اللغة الشعرية، وفي ترسيخ وعي نقدي يرى في القصيدة نظامًا دلاليًا مفتوحًا، تتجدد حيويته بتجدد القراءة والتأويل. * جمهورية مصر العربية