«رصاصة الدلبشاني»..

رواية مصرية تحكي قصة محاولة اغتيال سعد زغلول .

مثلما اتخذ الروائي المصري الدكتور إيمان يحيي من قصة اقتران “روس” ابنة فنان الجداريات المكسيكي العالمي دييجو ريفييرا بالأديب المصري يوسف إدريس في النصف الأول من القرن العشرين، موضوعًا لروايته “الزوجة المكسيكية”، وجعلها نافذة يطل منها على تاريخ حركة المثقفين المصريين، ورصد علاقات رموزهم مع مثقفي وفناني الشعوب الغربية واللاتينية، ودور جماعاتهم التي تشكلت وقتها للدفاع عن مبادئ السلام والحرية، يعود يحيي في روايته “رصاصة الدِّلبشاني” التي صدرت عن دار الشروق المصرية للتاريخ، ولكن في سياق آخر يحكي من خلال أحداثها قصة المحاولة الفاشلة لاغتيال سعد باشا زغلول رئيس وزراء مصر في فترة العشرينيات من القرن الماضي. يتخذ الكاتب حادثة تعرض زغلول للاغتيال في “محطة مصر” قبيل توجهه للإسكندرية لتهنئة الملك فؤاد بعيد الأضحى، تكأة ليرصد من خلالها كيف كانت تدار الحياة السياسية وقتها، وكيف كانت المؤامرات تُحاك من جانب الجماعات السياسية السرية والقصر، كما يكشف عن الصراعات التي شغلت حيزًا كبيرًا من اهتمامات المصريين خاصة شباب الجامعات الألمانية من أبناء الطبقة المتوسطة الذين فضلوا الدراسة هناك عن إنجلترا الاستعمارية. لجأ يحيي في سرد أحداث الرواية لتقنية تعدد الأصوات، وهي استراتيجية معروفة في الكتابة الروائية يسرد من خلالها الكُتَّاب الحدث بصوت أكثر من شخصية من أبطال العمل القصصي، حيث يسعى كل منهم للنظر للواقع وما يدور حوله نظرة مختلفة عن باقي الشخصيات؛ ما يعطي ثراءً للأحداث، وهكذا تتنوع زوايا النظر لها تبعًا لكل شخصية وقناعاتها وثقافتها ووضعيتها الاجتماعية والطبقية. خلال الأحداث يظهر مثال هذا واضحًا في النظر لقضايا السياسة المصرية، خاصة حين يتحدث كل من “عبد اللطيف الدلبشاني” منفذ محاولة الاغتيال ذي المستوى الاجتماعي البسيط، وزميله “الطوبجي” مالك الأراضي الزراعية الشاسعة. تبدأ الرواية بحديث عبد اللطيف الدِّلبشاني، يصف أجواء المكان الذي يسكن فيه بمنطقة العباسية، وما يحيط به من تفاصيل، يدخلنا إيمان يحيي مباشرة إلى أجواء الحدث. يتصدر “الدِّلبشاني”، بطل الرواية برصاصته الطائشة، المشهد، يحكي عن نفسه، ويكشف عن مستواه الاجتماعي وانتماءاته السياسية، ومع تطور الحدث يكتشف القارئ أنه أمام شخصية انفعالية انتهازية يتخذ قرار الاغتيال وهو يتحدث على أحد المقاهي مع صديقه “السعدني” الذي يظل مجهول التوجهات حتى نهاية الرواية عندما يعترف “حسن نشأت باشا” رئيس الديوان الملكي أنه كان وراء قرار اغتيال سعد زغلول، فيفضح انتماء السعدني الذي قدم السلاح للدلبشاني، ويكشف أن وجوده بين الطلبة المصريين في برلين لم يكن للدراسة، ولكن لمراقبتهم، كما يكشف نشأت باشا كيف كان يستخدم أعوانه ورجاله في تنفيذ المؤامرات والمهام الخطيرة. يمكن النظر لرواية “رصاصة الدلبشاني” باعتبارها لوحة للمجتمع المصري في عشرينيات القرن الماضي، ترصد اضطراب الأوضاع بعد عزل الخديوي عباس، وتولي فؤاد، وتحول مصر للملكية، وتفتت الحركة الوطنية التي كانت متكتلة خلف سعد زغلول، وتحولها إلى جماعات مشتتة، منها من يؤمن بمبادئ الحزب الوطني، ومن تحول للاشتراكية، ومنهم من كان متعصبًا لشخصيات وقادة سياسيين، مثل عبد العزيز قاويش، والخديوي عباس، ومصطفى كامل، ومحمد فريد. ويعيدنا إيمان يحيي وبطله “الدلبشاني” لعام 1924، وما قبله. يكشف عن الصراع على حكم مصر بين الخديوي المخلوع عباس، والملك فؤاد الذي سيطر على مقاليد الحكم ودانت له أمور القصر. يسعى الكاتب لرسم صورة المجتمع السياسي المصري عبر عدد من الشخصيات الأساسية التي كانت فاعلة في ذلك الوقت في صناعة القرار. يجعل كل شخصية عنوانًا لفصل من فصول الرواية. يقدمه ليتحدث عن نفسه، ويبرز صوته في السرد ورواية ما يراه من وجهة نظره. وهكذا تأتي فصول بعناوين مثل “عبد اللطيف”، منفذ عملية الاغتيال الفاشلة، و”انغرام بك” مساعد حكمدار القاهرة الذي عرف بالجريمة قبل وقوعها، وطلب من معاونيه الحصول على السلاح، واخفائه حتى لا يصل أحد إليه. يكشف “انغرام” وهو يتحدث عن نفسه ما يتمتع به من دهاء، وكيف يدير الأمور الأمنية. كانت الأوضاع متأرجحة بين ملك لا يملك صناعة القرار، وقوة احتلال انجليزية تهيمن على الحكم، وزعيم يلتف الجميع حوله، ويسعى منافسوه لإضعافه وتنحيته بعيدًا عن المشهد. يرسم إيمان يحي شخصية “انغرام” الماكر. يظهره كغيره من شخصيات الرواية “الدلبشاني وعبد الحميد الطوبجي”، يعاني من الفراغ العاطفي؛ علاقاته انتهازية مبتورة، متزوج وأب لعدة أطفال. يظهر أيضًا “حسن نشأت باشا” رئيس الديوان الملكي، وكل منهما يتحدث عمَّا قام به من مؤامرات في دعم محاولة الاغتيال. يتواصل السرد على لسان الشخصيات. يكشف كل منهم عن انكساراته. الجميع يعيشون علاقات عاطفية سرية. يحكي “الدلبشاني” عن علاقته الجنسية العابرة بالفتاة الألمانية “أولغا” صديقة “الطوبجي” زميل دراسته. ويعترف أنها منعته من زيارتها. استشعرت أنه استغل احتياجها العاطفي، وأظهر نفسه في دور من يخفف عنها محنة غياب صديقها، ثم انتهز لحظة ضعفها، وضاجعها، فاتهمته بخيانة صديقه وأنه لم يراع غيابه. يبوح الدِّلبشاني على مدى عدة فصول بخفايا روحه، نلمح أثر تلك الحادثة البالغ في تحولاته السياسية. تنفضح روحه الانتهازية رغم ادعائه النقاء الثوري. كان وفديا، ثم صار كارهًا لزعيمه. مع تطور التحقيقات في جريمته ينصحه محاميه بادعاء الجنون لكي يفلت بجريمته، ويضيع في الزحام بعد خروجه من مستشفى الأمراض العقلية. أما “الطوبجي” صديقه فلا يختلف عنه كثيرًا، كان شيوعيًا صاحب تجارب عاطفية مبتورة، يدفعه اهتمامه بأرضه للتخلي عن أفكاره. يحكي بلسانه أنه بعد عودته للقاهرة ومغادرته برلين وحبيبته أولغا يعيش قصة حب مع “ماريكا” ابنة البقال وشقيقة صديقه اليوناني، وبسبب رفض والدها يفشل في الزواج منها. نفس المصير يتعرض له “انغرام بك” حين يرتبط بعلاقة عاطفية مع “فرانشيسكا”، وهي فتاة إيطالية. رأى فيها الماكر تعويضًا عن علاقته بزوجته المشغولة بأبنائه. يعيش معها عدة أيام، لكن الفتاة التي كانت تحبه حقًا تختفي حين يلوح لها بماله. ومع تطور أحداث جريمة “محطة مصر” يأتي “حسن نشأت باشا” يكشف كيف تتم الأمور في قصر الملك فؤاد، وفي الفصل الأخير يحكي سعد زغلول بعضًا من تفاصيل ما حدث ويكشف عن وجهة نظره فيما جرى حين تعرض لمحاولة الاغتيال، يحكي القصة كاملة للمؤامرة التي تعاون في تدبيرها ضده حسن باشا نشأت رئيس الديوان الملكي، ورجل الأمن الإنجليزي انجرام بك، الذي استولى على سلاح جريمة محاولة الاغتيال وأخفاه، يستعيد سعد زغلول صورته كطفل ابن مالك زراعي صغير، وثائر، وتلميذ لجمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، ويحكي عن صعوده وزواجه من ابنة رئيس وزراء مصر، مصطفى فهمي باشا، ثم توليه رئاسة الوزراء، ولا ينسى في خضم كل هذا عاداته التي سيطرت عليه، وكيف كان ينظر، بوصفه مقامرًا، للأمور الصغيرة التي تسعى لتعطيله عن بلوغ الهدف، من هنا لم يعر الدلبشاني اهتمامًا كبيرًا، بل نظر له بوصفه “يدًا ظلت قصيرة”، لكنها استطالت عندما استخدمها نشأت والقصر، وأخفى سلاحها الانجليز. وهكذا يأتي كل فصل من فصول الرواية كأنه بروفايل يمثل الشخصية التي يحمل اسمها، ويضيف للصورة الكلية- التي يسعى الكاتب لرسمها- تفاصيل ومشاهد تشكل عبر تجاورها الحالة التي كان يعيشها المصريون في ذلك الوقت؛ مدن كوزموبوليتانية تسكنها جنسيات متعددة، بعضها يعيش فيما يشبه الجيتو المجتمعي بثقافة وتقاليد تمنعه من الذوبان في جنسيات أخرى، وقوى تتصارع ومؤامرات وحياوات بشر ضائعة. كل هذا يرصده إيمان يحي على خلفية الجريمة. يستعيد من خلالها صورة المجتمع في تلك الأيام، يتابع خطوط التروماي وهي تقطع القاهرة في اتجاهات مختلفة، معها يذهب بعيدًا راصدًا ما يدور خلف جدران البيوت، وما تعكسه من أوضاع، وما تخفيه القصور من حكايات، وما تتحرك به عربات الحنطور والسوارس، وتحمله النساء الماجنات، وهن يقصدن سكنات الانجليز. يستعيد يحي شكل المقاهي والبارات والفنادق، ويرسم صور الشوارع والميادين والأحياء والمدن. يشكلها من الذاكرة بعد أن تلاشت وما عاد لها وجود.