لتعزيز الجسور الثقافية بين المملكة واليابان ..
الأمير تركي الفيصل: لا يمكن تحقيق السلام العالمي دون احترام القانون الدولي .
ألقى صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، كلمةً أمام اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر في جنيف، يوم الاثنين 28 شعبان 1447هـ (16 فبراير 2026م)، تناول فيها التحديات التي يشهدها المشهد الإستراتيجي العالمي وانعكاساتها على القانون الدولي الإنساني. وفي مستهل كلمته، أعرب سموه عن امتنانه لرئيسة اللجنة على الدعوة، مثمنًا الجهود التي تضطلع بها منذ تأسيسها في تعزيز السلم وحماية القانون الدولي الإنساني، مؤكدًا أن دعم هذه الجهود «ليس مسؤولية دولية فحسب، بل واجب على جميع الدول التي يتكوّن منها المجتمع الدولي». وأشار سموه إلى أن العالم يعيش "بيئة إستراتيجية مضطربة وغير مستقرة"، وأن البشرية تمر بمرحلة تتسم بعدم اليقين إزاء مآلاتها، معربًا عن أمله في ألا تعيد هذه المرحلة العالم إلى ما وصفه الفيلسوف توماس هوبز بـ"حالة الطبيعة"، التي تقوم على «حرب الجميع ضد الجميع»، حيث تسود الفوضى ويغيب الالتزام بالقواعد المنظمة للعلاقات بين البشر والدول. وأوضح أن النظام الدولي الذي نشأ عقب الحرب العالمية الثانية، وبرغم ما اعتراه من قصور، استطاع على مدى نحو ثمانية عقود أن يمنع اندلاع حروب كبرى بين القوى الكبرى، وأن ينظم الشؤون الدولية عبر مؤسسات متعددة تعالج قضايا السلام والصحة والتعليم وإدارة النزاعات والبيئة واللاجئين والتنمية، كما عزز مبادئ المساواة بين الدول وحق تقرير المصير والالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني. وتحدث سموه عن التحديات الراهنة التي يشهدها العالم، مشيرًا إلى تراجع احترام القانون الدولي وتصاعد النزاعات المسلحة في مناطق مختلفة، وما يصاحب ذلك من استقطاب دولي وعودة منطق سياسات القوة. واستشهد بتصريح للأمين العام للأمم المتحدة، مؤكدًا أنه «عندما يحل قانون القوة محل قوة القانون تكون العواقب شديدة الاضطراب»، وأن الإفلات من العقاب يغذي النزاعات ويقوض الثقة بين الدول، وأن «السلام والاستقرار العالميين لا يمكن تحقيقهما دون احترام القانون الدولي». وأكد الأمير تركي الفيصل أن الدعوات المتكررة إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب ليست جديدة، غير أن المسألة لا تتعلق بوجود أقطاب متعددة بقدر ما ترتبط بتوازن القوى بينها وآليات إدارة الشأن الدولي. وبيّن أن الحل الأكثر ملاءمة يتمثل في إصلاح النظام الدولي من خلال إعادة هيكلة الأمم المتحدة وأجهزتها، ولا سيما مجلس الأمن، بما يعزز تمثيليته ويحد من تعطيل القرارات عبر استخدام حق النقض، ويوسّع عضويته ليشمل دولًا تمثل مختلف القارات والحضارات والثقافات. وفي سياق حديثه عن التزام المملكة العربية السعودية، أوضح سموه أنها كانت من أوائل الدول التي انضمت إلى اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها الإضافية، وأن هذا الالتزام "ينسجم مع تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة التي تدعو إلى الرحمة والعدل وحسن المعاملة حتى في أوقات الحرب". وأضاف أن المملكة أنشأت عام 2007م لجنة وطنية للقانون الدولي الإنساني للإشراف على تنفيذ التزاماتها، وقيادة المبادرات العربية الرامية إلى تعزيز تطبيق هذا القانون ونشره، والتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. وأشار سموه إلى استضافة المملكة العام الماضي الورشة الثامنة عشرة لكبار المسؤولين حول القواعد الدولية المنظمة للعمليات العسكرية في الرياض، بالشراكة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، بهدف تعزيز تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني في العمليات العسكرية، مؤكدًا أن وزارة الدفاع أدرجت مبادئ هذا القانون في برامج التعليم والتدريب العسكري لضمان تطبيقه عمليًّا. كما شدد على أن التزام المملكة لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى الجهود الإنسانية والإغاثية التي تنفذها في مناطق النزاعات والكوارث حول العالم، مجددًا استعدادها للتعاون مع الدول والمؤسسات المعنية لحماية المدنيين في أوقات الحرب والنزاع. واختتم سموه كلمته بالتأكيد على أهمية استمرار الالتزام بالقانون الدولي الإنساني في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ النظام الدولي، والعمل المشترك لتفادي أخطار الفوضى وعدم اليقين التي تهدد السلم والاستقرار العالميين.