تقديم: إن المقبل على النص الروائي “ بظل كبير” ، للمبدعة الإماراتية عفراء محمود ، الصادر عن منشورات المتوسط، بعد مجموعتها القصصية “ سرير أبيض” عن-نفس المنشورات ، يثير انتباهه سردية أحداث يومياتها ، شخصياتها السوية والمدمنة ، لغتها الشفافة و المقتصدة ، وكسرها للخطية الزمنية والمراوحة بين المحكيات ، ثم خطابها التحذيري والتربوي الموجه للرواية نحو الوفاء للواقع وتمثيله. وعليه ، سترصد الرواية إشكالا مركزيا يتعلق برصد ، لظاهرة التعاطي للمخدرات والتعافي منها وفق نسق تشابكي ، ومن ثم ، ممارسة سلطتها الجمالية والمعرفية على المتلقي ، عبر تجسيد عوالم تتأرجح فيها الذات بين تشظيها حينا وتطلعها إلى حياة محفوفة بالتعافي حينا آخر, قراءة في العنوان : العنوان في الرواية بظل كبير” يمثل أكثر من مجرد اسم. إنه عتبة أولى ومفتاح للدخول إلى عالمها ، كما- يلعب* دورًا هامًا في جذب القارئ وتحريضه باتجاه ماهو مركزي، والإيحاء بما يود الكاتب الإفصاح عنه . أما “كبير” فصفة تعني الجسيم والعظيم . وعطفا على ما سبق ، لماذا الظل ؟ ولماذا كبير ؟ لعل “ عفراء ، وهي تستثمر الظل باعتباره منطقة مظلمة ومعتمة ، والكبير باعتباره سيادة وسيطرة بكاملها ، إنما تستعير حجب الضوء الذي يمكن أن يضيء ، المتن الروائي: تحكي رواية “ بظل كبير “ عن تورط عبد العزيز الشخصية المحورية والسارد في إدمان المخدِّرات، ، بتجريبه لتناول حبة “ ترامل بدافع الفضول ، ثم الهرويين والكوكايين ، *بسبب علاقته بأمه الغائبة في الغالب ، والعنيفة ، التي ساهمت في تشكيله شخصية سلبية قابلة للاضطهاد على يد “ فهد “ وعصابته ، ومن ثم الانقياد لأوامره وسطوته . بيد أن النهاية التراجيدية ل “فهد” جراء خلافاته مع عصابة تشتغل في توزيع المخدرات، تكون النقطة التي أفاضت الكأس ، مما يعني انسحاب عبدالعزيز ، والاعتراف بإدمانه في مفوضة الشرطة مستثمرا لمادة قانونية تعفيه من المتابعة ، ثم إحالته على مركز للعلاج والتأهيل ، ليكون الممرض جابر صديقا ومساعدا له لا جتياز هذه المرحلة السوداء،. تجليات الإدمان : لئن كان تعريف الإدمان هو الرغبة القهرية للاستمرار في تعاطي المادة المخدرة، أو الحصول عليها بأي وسيلة، يصير الحديث عن تناثره على امتداد فصول الرواية بكثافة وخصوصية، عبر تمثيله ووصفه شاهدا على انهيار الذات ، ويمكن تحديد تورط عبدالعزيز” في هذه العوالم من خلال تتبعها على النحو التالي : • التعاطي التجريبي ل” عبدالعزيز “ ماهذه الحبة ؟ يجب أن أجربها ، متى يرن الجرس ؟ ماذا سيحدث بعد أن أتناولها ؟ أشعر بالخوف ، لا يهم ، سأجربها “ ص 55،- ثم بعدها يصبح الأمر لديه أكثر اعتيادًا مع التكرار،- ، بعد ذلك ، تتوالى أعراض وسلوكيات الإدمان ، كالتغير المفاجئ في نمط حياته ، والغياب المتكرر عن المدرسة :” كل شيء بدأ بعد أسابيع من بداية السنة الدراسية الرابعة ، كنت أتحدث مع سلامة : • لن أذهب إلى المدرسة “ ص 15 • معاناته من هلاوس سمعية وبصرية وتأثيرها على إدراكه لواقعه :” القمر .. القمر يلاحقني كل ليلة ، أعلم لا يفترض أن يكون موجودا كل ليلة ، لكني أراه ، لا يكف عن ملاحقتي ، نظراته مريبة تربكني ، يتركني معلقا ، لا أبعد عيني عنه “ ص 83، تأتي مشكلات الصحة البدنية و قلة النشاط والدافع : “ حبة أولى ، أنتظر بعض الوقت ، حبة ثانية ، ثلاث حبات أخرى ... أفقد جسدي تباعا ، كل شيء رخو، كل شيء هلام ، ماعاد هناك جسد “ ص 20 •التورط في السرقة سواء في المدرسة أو البيت : “ وبدأت أسرق من أمي ، أبيع أشياءها في المخزن وأنا متأكد أنه نسيتها ، “ ص 74- • الميل إلى التصرف بشكل عدواني تجاه أقرانه في المدرسة ، و إظهار سلوك يهدف إلى إيذائهم جسديا “ ذات يوم وخزت صبيا في المدرسة بالقلم ثلاث وخزات فأدميته ، كان ينتفض أمامي ولم أجفل ، كنت مغيبا فيما كان يبكي ، هددته إن صرخ سأقتله “ ص 26 بقي أن نذكر من أسباب تعاطي عبدالعزيز لخطر المخدرات انتهت بقراره الانتحار برفقة صديقه “خالد” الذي كان يكتب الشعر، غرقاً في البحر، لكنه يجد من ينقذه، في حين يلقى صديقه حتفه ونهايته في الماء . وفضلا عن هذه النهاية يمكن الإشارة إلى أن تشكيل هذه الشخصية الغير السوية ل” عبدالعزيز “تعود إلى تنشئته” الاجتماعية غير السليمة ، وتفكك أسرته ، ثم صرامتها وقساوتها، وغيابها طول الوقت عن البيت “ لم تربطني بها أية علاقة سوى التجاهل والتعنيف ، لم تكن يوما حياتي ، لا تعرف طعامي المفضل حتى ، لماذا أبقتني معها إن لم تكن تريدني ؟” ص 10 تجليات التعافي : ينبثق التعافي في رواية “ بظل كبير” ، ليضيء هذه المناحي المعتمة والمسمومة، والسعي إلى تجاوز وقائعها المتشابكة والملتبسة ، تجسيدا لمولد جديد ، وإعادة الاعتبار للذات والعودة إلى الحياة الإنسانية بكل جمالها ومباهجها ، لكن تعافي عبد العزيز من هذه العوالم الحالكة كانت وخيمة ، تتعدد وتختلف أعراضها الإنسحابية التي سيعاني منها لكنها تشمل بشكل عام : - الشعور بالقلق والاكتئاب واللاجدوى من الحياة “هل تفكر في الانتحار ؟ هل تأتيك أفكار انتحارية ؟ لا ، لكنني لا أشعر بالحياة ، كل شيء مطفأ وخامد “ ص127 - صعوبة التفكير والتركيز” يظنون أني أكتب تقريري الشهري ، أحترق أحترق وكل منهم مستكر في عمله “ ص 125 - المعاناة من مشاكل جسدية “ التحمل كلمة سهلة لا تعني شيئا أمام ماواجهته ، شيئا ما ينتزع من جسدك انتزاعا ، كشاة يسلخ جسدها “ ص 40 - تفاقم الكوابيس والوساوس والاضطرابات “ منذ بدأت التعافي وأنا أعاني من الكوابيس ، تستمر في إفزاعي بجنونها المضطرب “ ص107 ، كل هذه الأعراض وآثارها المدمرة سيتم تجاوزها بالتزام عبدالعزيز لطرق العلاج ، من قبيل مصاحبته للكتاب ، ممارسته للرياضة ومشاركته في الخرجات السياحية الثقافية “ كنا نحضر أمسية شعرية في الصحراء ، بدأ الشعراء بإلقاء قصائدهم” ص 63، وكذا التزامه بخطة العلاج ، ورغبته الشديدة في الابتعاد . على سبيل الختم : إنه من الممكن القول في الختام إن رواي “ بظل كبير “ *لعفراء محمود ، قد نبهت من خلال إشارات صريحة تدعو إلى الانتباه إلى خطورة التعاطي للسموم المخدرة بكل أنواعها ، ودق ناقوس الخطر ، للإفلات من قبضتها والتحرر من آلامها المتراكة ، وبناء علاقة متوازنة مع الذات والآخر ، وهو ماتوفقت إلى تحقيقة الرواية .