في كتاب «خباء الشعر والنقد» للدكتور محمد عبد الباسط عيد..

بين الشعر والنقد وطاقة التأويل.

كثير هم من تناولوا معلقات الشعر العربي بالشروح والدراسة، عبر فترات زمنية ممتدة، ومن خباء المعلقة وليست أي معلقة، بل معلقة امرئ القيس، تنطلق دراسة الدكتور محمد عبد الباسط عيد، في كتابه النقدي “خباء النقد والشعر”، الصادر عن دار العين، والحائز على جائزة ساويرس الثقافية في المجال النقدي مطلع هذا العام. فتح الدكتور عيد في هذه الدراسة، خباء المعلقة من خلال المنجز النقدي الحديث وما يقدمه من نظريات، رغبة في إظهار جمالية المعلقة، والأهم هو إعادتها لواقع جديد لنشتبك مع عوالمها، ونقف مع امرئ القيس أمام أطلاله وبحثه الوجودي. فامرؤ القيس كما يقول د. عيد هو : “ الشاعر الذي منح الصحراء طاقة الترميز الفنية الهائلة، فانتقل بها من نثرية العدم إلى خلود الشعر وحيويته، فلم تعد الأطلال بقايا أماكن غادرها أصحابها، ولم يعد رحيل الأحبة حدثا عاديا تطويه الرمال، ولم يعد الفرس مجرد حيوان يتنقل به الإنسان من مكان إلى آخر في الصحراء” من ثلاثة فصول تتكون هذه المقاربة ، الفصل الأول: العقل النقدي حول المعلقة والذي يضم مبحثين الأول: المضمر النقدي في شروح القدماء. أما الثاني : سؤوال المنهج في مقاربات النقاد المحدثين. الفصل الثاني: الحجاج والتخييل.. البحث عن حيوية النقد. أما الفصل الثالث : قراءة في استرتيجيات الحجاج وينقسم إلى مبحثين : الأول: جدارية امرئ القيس، والثاني : الإيقاع .. ظاهر النص وباطنه. ومن خلال تقسيم المعلقة لست لوحات: الأطلال، وأيام امرئ القيس، وبيضة الخدر، والليل، وقيد الأوابد، والسيل، تتكون المقاربة لبنية المعلقة باعتبارها جدارية فنية واسعة ومتجاورة، وتتبدى وحدة هذه القصيدة ليس من وحدتها العضوية كما يفترضها النقاد كشرط فني للقصيدة، بل من جمالية التجاور، وهي جمالية - كما يرى د. عيد - تغدو القصيدة فيها أشبه بجدارية تشكيلية متصلة غير منفصلة ، أو أنها منفصلة متصلة في الوقت نفسه، ثيماتها متنوعة ولكنها مرتبطة من خلال العلاقات الدلالية التي يصل إليها المتلقي. مع كل لوحة من لوحات المعلقة وطبقا للثيمة المهيمنة عليها، أو العنصر، يمكننا متابعته وظيفيا وفنيا، يمنح اللوحة تماسكها النصي، ويؤسس لما بعدها، ويشدها إليها بمنطق السؤال المضمر. في هذه الدراسة لا نجد أنفسنا محكومين بأدوات النقد التي تتوارى خلف القراءة، لتصبح مفاتيحا ندلف بواسطتها لعالم المعلقة، بل يصبح النقد ذاته إبداعا موازيا للأدب. نجدنا منطلقين مع امرئ القيس في رحلته، حاملين أسئلته الوجودية، التي لا يصرّح بها، بقدر ما يستوقفنا معه مرارا على أطلاله، مستثيرا ذكرياته، واستعادة أيامه الخالية من موقع البكاء، نقف معه للتأمل، ولإعادة تمظهرات الحياة في الرسوم الدارسة. امرؤ القيس “ الملك الضليل” كما هي إحدى تسمياته، هل كان ناشدا لملك أبيه الضائع؟ أم كان ضلاله ذلك هو بحث عن الذات، وافتقادها في عالم تذروه رياح الصحراء. لقد فتحت دراسة الدكتور عيد عالم المعلقة على اسئلة أوسع، وتعدّى الطرح النقدي لها، لتكشف خباء أسرار لم تبحها، إلا بقدر ما تعيدها لخبائها، ويظل القارئ مشدودا لكشف الأستار عن عالم امرئ القيس النفسي، وقلقه الوجودي، وتلقي بظلال واقع اجتماعي لشعراء تلك الفترة من زمن الشعر العربي. من لوحة البكاء الأولى للجدارية والتي تنتهي بالسيل، وكأنه البكاء الذي يبشر بالسيل، النهاية التي تعيد الحياة للأرض، هذا الرابط الدلالي أشبه برد العجز على الصدر. أكان بكاءه شبيها ببكاء الإنسان لحظة استقباله للفحة الحياة؟ وتظل العبرات مهراقة شفاء للذات عبر مراحل الحياة المختلفة، ويتوحد هذا البكاء أخيرا مع الطبيعة في حدث الفيض النهائي للرحلة التي تعبر عن رحلة الحياة نفسها. ولماذا البكاء وقوفا وبفعل جماعي كطقس شعائري؟ كلها أسئلة القارئ المضمرة، لا جواب قطعي لها. وإلى اللوحة الثانية “أيام امرئ القيس” استدعاء لذكريات اللهو والفرح، لوحة لو اعتبرناها نقيضا للبكاء ولكنها الوجه المقابل للحزن حسب تعبير د. عيد. وفي لوحة بيضة الخدر حضور للمرأة، ولكنها ليست كأي امرأة، بيضة الخدر طاقة ترميزية لما هو أبعد، ذلك الشيء المجهول الذي يطلبه الشاعر، وإن أبداه كالمرأة المماثلة له، امرأة مصونة داخل حمى لا يسهل اختراقه. وبيضة خدر لا يرام خباؤها...... تمتعت من لهو بها غير معجل تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا..... علي حراصا لو يسرون مقتلي. حضرتني عند قراءة الدكتور عيد لهذه اللوحة، قصيدة الشاعر نزار قباني التي يقول فيها فحبيبة قلبك يا ولدي نائمة في قصر مرصود من يطلب يدها. . من يدنو من سور حديقتها.... من حاول فك ظفائرها مفقود... مفقود. أسس امرؤ القيس الصورة السحرية لبيضة الخدر( المرأة) والتي ظلت تتنقل عبر الزمن، المراة المماثلة للغاية المنشودة، نحو النصر واكتشاف المجهول، بل ومقاومة الضياع والفناء. بل وأحالني البيت الثاني من لوحة “بيضة الخدر” للبعد الطقسي الخاص بمواسم الزراعة عند اليمنيين القدماء، والذي استخدمه الشعراء اليمنيون، في ربطهم بين نجوم الثريا والاقتران بالمحبوبة. فظهور الثريا عند امرئ القيس هو زمن التقائه ببيضة الخدر: إذا ما الثريا في السماء تعرضت ...... تعرض أثناء الوشاح المفصل. وهو كذلك في قصيدة مطهر الإرياني ( الحب والبن) حين يطلب محبوته، ويُحدد بذات الموعد: طلبت أنا القرب منه قالوا القرب غالي قلت اعملوا لي أجل مضروب لخير ثاني قالوا قران القمر على الثريا سحر في يوم خامس عشر من شهر تشرين ثاني . تنشأ الرابطة الدلالية بين لوحات المعلقة، وإن كانت كل لوحة بموضوع يختلف عن الأخرى، ولكن كل لوحة تؤدي إلى الأخرى، فليل امرئ القيس موحش لا نهاية له، فكانت بيضة الخدر( المرأة) الهادية إلى النور، والمغامرة نحوها، وهي مغامرة ضد هذه الليل، والفرس لا يبتعد عن هذه المغامرة نحو المرأة فهو وسيلته في اقتحام هذا الليل، وعبور الصحراء، وياتي السيل خاتمة هذه الجدارية( المعلقة) فيرتبط دلاليا “بالأطلال” فهي لم تكن في مفهوم امرئ القيس عدما، فلقد غرس فيها بذور الحياة، ليأتي السيل ويعيد إليها طاقتها الإنسانية الجديدة. ويختم الدكتور عيد هذه الدراسة النقدية بالإيقاع.. ظاهر النص وعالمه، وفيها يستجلي الدكتور عيد قدرة الإيقاع على اكتناه عالم النص وتلوين دلالته، فكل إنشاد تأويل وكل تأويل محاولة بحثية لالتقاط حركة الإيقاع. حسب الدكتور عيد. إرث حي ونابض فتحته أمامنا هذه الدراسة، لإعادة قراءته، وما كتب عنه الشراح القدماء والنقاد المحدثون، وأسئلة فنية ووجودية أثارتها هذه المقاربة لمعلقة امرئ القيس لفتح بابا للدارسات التي تتعدى جماليات الشعر، لأسئلة الذات ورؤيتها للوجود.