سفيرٌ لبلاده أم لأفكاره؟
منذ منتصف القرن العشرين، وتحديداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ووجهة النظر الأمريكية تسوّق للانفتاح العالمي والحرية وعدم اعتداء الدول على بعضها البعض، فضلاً عن احتضان أمريكا لمقر الأمم المتحدة على أراضيها، والتي أسست على أسس الاحترام المتبادل بين الدول، وبعد كل ذلك يأتي ممثل للولايات المتحدة بحجم «سفير» وهو ما يعني أنه ممثل رسمي لبلاده، ثم يقول إن سيطرة إسرائيل على مساحات واسعة من الشرق الأوسط هو أمر مقبول!! هنا تسقط الدبلوماسية والذوق السياسي والفهم المفترض لأبجديات الدور المنوط بمهمة «سفير». هنا السفير المتطرف يخرج عن وعيه بدوره المفترض ليعبّر عن قناعة دينية متطرفة وأسطورية، لا في لغة السياسة، ولا في الفهم المعاصر لمنطق القانون الدولي الذي يحكم العالم اليوم، ولا في طبيعة الأيديولوجيا السياسية التي تضعها الولايات المتحدة عنواناً لها، وتعمل بها في سياساتها الخارجية، ولا في أي سياق منطقي يمكن أن نضع تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل في إطارها. على الصعيد نفسه أدانت المملكة العربية السعودية ومعها مجموعة من الدول العربية والإسلامية تلك التصريحات، وزاد بيان وزارة الخارجية السعودية بطلب توضيح من الخارجية الأمريكية على تلك التصريحات، هنا الخارجية السعودية جعلت الكرة في مرمى نظيرتها الأمريكية، ومررت درساً دبلوماسياً قاسياً تجاه السفير ومرجعيته من جهة، وكذلك لإسرائيل نفسها من جهة أخرى، في حال كانت تفكر فعلاً في أية أفكار توسعية. إن عالم اليوم لا تنقصه الحروب ولا الصراعات، بل ينقصه نظام دولي صارم يحترمه الجميع ويحتكم إليه. إن مثل تلك التصريحات القائمة على أساطير دينية يمكن أن تكون مقبولة، أو على الأقل مفهومة، إذا كانت صادرة من الجماعات والميليشيات التي تقوم على أيديولوجيات دينية غالباً، ولكن كارثية تصريحات السفير الأمريكي تكمن في مهمّته كسفير لرأس المعسكر الغربي الليبرالي الذي يعتبر نفسه «شرطي العالم». وعلى أية حال، فما تفوّه به السفير لم يمر مرور الكرام حتى في الداخل الأمريكي؛ فقد خلق موجة من الانتقادات لتلك التصريحات على مواقع التواصل، وبعض المواقع الإخبارية.