قراءة في رواية: العربانة لماهر عباس..

حين تروي الأمكنة قصة الصعود من العدم.

الكاتب: ماهر عباس الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون الطبعة: الأولى 2020 عدد الصفحات: 231 صفحة عتبة الغلاف : صبيٌ يقود قدره يستقبلك غلاف الرواية بصورة صبي يدفع عربانة محملة بمشتريات السوق؛ مشهد قد يبدو عادياً للناظر العابر، لكنه في رواية ماهر عباس يمثل المحرك الأساسي لحياة بطلٍ قرر أن يواجه العالم بساعديه الصغيرين. «العربانة» هنا ليست مجرد أداة عمل، بل هي الرفيق والشاهد على صراعات وجودية تبدأ منذ الولادة وتستمر في تصاعد درامي لافت. براعة الوصف: سرد يتحدى الخرائط تتميز الرواية بقدرة فائقة على تجسيد الأمكنة؛ فهي لا تكتفي بسرد الأحداث، بل ترسم جغرافيا المشاعر والمواقع بدقة سينمائية تتحدى الخرائط الورقية والإلكترونية على حد سواء. ينتقل بنا الكاتب من هدوء قرية «سنابس» الوادعة، لنتنفس رائحة الفاكهة في أسواقها، قبل أن تتجاوز بنا الحكاية حدود البحرين لتطوف في أزقة وشوارع الخبر والدمام بالسعودية،وبلاد عربية متعددة ووصل به المقام الى الصين وتفاصيل حياتها وأهلها واستثمارتها. هذا الوصف المتناهي لا يقف عند حدود الجمادات، بل يغوص في نفسية الشخوص الواقفين في تلك المنعطفات، مما يجعل القارئ يشعر وكأنه يقف بجانبهم، يبيع معهم، ويتحسس معاناتهم وطموحاتهم في آن واحد. من «ورقة في مهب الريح» إلى فارس يمتطيها لعل أجمل ما يصف به بطل الرواية نفسه هو قوله:  «عند دخولي السوق وعالمه.. كنت طفلاً، وسريعًا قررت أن أصير رجلاً، لم أكن قبل ذلك سوى ورقة تدفعني الريح، مسكت الريح، وامتطيتها فيما بعد، مثل فرس.. وسقتها بإرادتي»  هذا المقطع يلخص فلسفة الرواية في «إرادة الحياة». نحن أمام طفل تآمرت عليه الظروف لكسره وتهميشه، لكنه اختار التمسك بشرايين الحياة.  هي حكاية طموح لا يلين، حيث تتحول العقبات التي كادت أن ترديه صريعاً إلى محطات للقفز نحو القمة. العربانة: الدائرة التي لا تنغلق تأخذنا الأحداث في رحلة صعود مبهرة، من خلف العربانة البسيطة إلى قمة الثراء والمال والطواف حول العالم.  لكن بريق القمة لا يحمي من عواصف الحياة التي تعود لتضرب البطل من جديد.  وعندما يوشك «الموت الداخلي» على سحبه إلى القاع، تبرز «العربانة» مرة أخرى كرمز للبدايات الصادقة، لترجعه إلى جوهر الحياة وقلبها النابض من جديد. كلمة أخيرة رواية «العربانة» ليست مجرد سيرة صعود مالي، بل هي رحلة شعورية تجبرك على الانغماس في تفاصيلها، ستجد نفسك تارة تذرف الدموع مع بطلها، وتارة أخرى تقف في منطقة حائرة بين الدهشة والألم.  إنها دعوة للتنفس من جديد مهما بلغت شدة العاصفة. ---------------------- ibrahimtaweel@gmail.com