في كتاب «الشِّعر للانتصار والسَّرد للهزيمة»..

د.حسن النعمي ينتصر لموقع الفنون داخل المجتمعات.

يُعدُّ أستاذُنا الدكتور حسن النعمي من الأصوات النقديَّة التي انشغلت مُبكِّرًا بأسئلة العلاقة بين الإبداع وسياقه الثقافي، وبحدود الممارسة والفاعليّة الجماليّة عندما تُستحضر لأداء أدوارٍ تتجاوز طبيعته الفنيَّة، بل إلى أبعاد الأغوار الثقافيَّة النقديَّة؛ لقدرته الكبيرةِ على تبنِّي رؤًى مُختلفةٍ قادرٍ على ابتكارها وفتح آفاقها في الدراسات الادبيّة والنقديّة. ويأتي كتابه “الشِّعر للانتصار والسَّرد للهزيمة” امتدادًا لهذا الهمِّ الفكري، لا حكمًا قيميًّا على الأجناس الأدبيَّة، بل مساءلةً عميقةً لوظائفها الرمزيَّة في لحظات الصراع والتحوُّل. تتصدَّر واجهة الكتاب عبارةٌ مُكثَّفة تبدو للوهلة الأولى تقريرًا نحو بوصلة الفكرة “هناك علاقةٌ بين الشِّعر والانتصار، وعلاقةٌ أخرى بين السَّرد والهزيمة..”. غير أنَّ القراءة المتأنِّية تكشف أنَّ هذه الجملة ليست حكمًا نهائيًّا بل مفتاحًا تأويليًّا لجدلٍ طويلٍ بين نوعين أو شكلين تعبيريين ارتبطا بتحوُّلات المشهد الأدبي العربي. لقد جاء اشتغالي على هذا الكتاب في سياق دراستي في مرحلة الدكتوراه في أحد المقرَّرات المنهجيَّة ذات التوسُّع والتكوين العلمي الشامل؛ فكانت قراءتي له قراءةً تحليليَّةً تتتبَّع بناءه المفهومي وتعيد تركيب منطقه الداخلي وجزءٍ من تفاصيله ولعلَّ العنوان من بدايته ليس مفاضلةً بين جنسين، بل مساءلةٌ لموقع كلٍّ منهما داخل حركة التاريخ والثقافة. يفتتح المؤلِّف أطروحته بتقريرٍ بالغ الأهميَّة: “ لو أردنا أن نلخِّص العلاقة بين الشِّعر والسَّرد في تراثنا العربي لقلنا إنَّها علاقةٌ مركَّبة… وتعود إشكاليَّة هذه العلاقة المركَّبة في تكوينها إلى ثلاثة أبعاد: دينيَّة، وسياسيَّة، وثقافيَّة..” هذا التحديد يُخرج النقاش من ضيق الذوق الأدبي إلى رحابة البنية الحضاريَّة المُتعمِّقة في جوهرها ممَّا يؤكِّد أنَّ العلاقة بين الشِّعر والسَّرد ليست صراعًا شكليًّا، بل نتيجة تداخل مرجعيَّات دينيَّة وسياسيَّة وثقافيَّة “ مُتداخلة التأثير”. ومن هنا يصبح الانتصار أو الهزيمة توصيفًا لحالةٍ ثقافيَّةٍ عامَّة وليس قيمةً جماليَّةً مُطلقة. ثمَّ يقرِّر المؤلِّف بوضوح “ إنَّ تعلُّق العرب بالشِّعر أمرٌ بيِّن لا يحتاج إلى برهان..”. غير أنَّه لا يتوقَّف عند هذا التقرير بل يتساءل عن سببه وأعماق ذلك إضافةً إلى طرحه أسئلة بغية الوصول إلى إجابات وسياقات مُتعددة.. هل انصراف العرب عن السَّرد كان لضعفٍ فيه؟ أم لظروف النقل والحفظ؟ ثمَّ يلفت إلى أنَّ القرآن حين نفى عن نفسه الشِّعر و”تبنَّى في الوقت نفسه القصَّة” هو ما يدلُّ على أنَّ السَّرد لم يكن غائبًا عن الوعي العربي وكان موجودًا في مجالسهم وأحاديثهم. لكن العنصر الحاسم يظهر في قوله: “وفي مقابل التضييق على القصَّاص، كان الشُّعراء يُستقبلون في المحافل وتُفتح لهم أبواب البلاط…”. هنا تتكشَّف أبعاد السلطة؛ فالشِّعر لم ينتصر لأنَّه أكثر عمقًا فحسب، بل لأنَّه كان حاضرًا في المعركة وفي بلاط الخلفاء، وفي الجدل السياسي الذي ارتبط بالانتصار الحضاري، فكان جزءًا من تمثيل القوَّة ووجهًا من أوجه الانتصار وفي تقديري أنَّ هذه نقطةٌ مُفصليَّة؛ لأنَّها ربطت القيمة الرمزيَّة بموقع الفنِّ من السلطة. يتوقَّف الكتاب عند مسألةٍ اصطلاحيَّةٍ دقيقة: “ ورغم أنَّ هذا المصطلح يعدُّ تحوُّلًا جادًّا في النظر إلى مفهوم الفنون السَّرديَّة، إلَّا أنَّه ما زال قاصرًا… وأصبح مُصطلح (السَّرد) هو السائد في تعريف الفنون السَّرديَّة المُختلفة تراثيَّة كانت أم عصريَّة”. هذا التحوُّل لم يكن لفظيًّا فقط بل تحوُّلًا معرفيًّا عميقًا؛ فالسَّرد لم يُولد حديثًا بل أُعيد تعريفه ضمن أفقٍ نظريٍّ مُوسَّع ومع هذا التحوُّل بدأ الاعتراف النقدي بطاقته الجماليَّة.. في تعريفه للجدل يقول: “ فالمجادلة هي المناظرة والخصومة ومقابلة الحجَّة بالحجَّة… وهذه المعاني تكشف حالةً من التجسيد لصراعٍ بين عقلين..”. ثمَّ ينتقل إلى تطبيق ذلك سرديًّا: “ تكتسب لغة الجدل السَّرديَّة حضورًا مؤثِّرًا بكونها غير تقريريَّة… حيث يمثِّل الوصف روح السَّرد، فهو الثابت الذي يعطي للسَّرد قيمته الدلاليَّة”.. يكشف هنا الكاتب أنَّ السَّرد يمتلك آليَّته الخاصَّة في الإقناع فهو لا يصرِّح بالحجَّة، بل يبنيها عبر الحدث والوصف والحوار وهنا يتبدَّد الفهم السطحي لفكرة “ الهزيمة”. وفي تطبيقاته حول المرأة يقول: “وهذه النصوص لا تقدِّم المرأة إلَّا منتصرةً على الرجل بحجَّتها وبلاغتها ممَّا يؤكِّد الاعتقاد بتلازم وضوح الحجَّة من ناحية، وبلاغة العبارة من ناحيةٍ أخرى”.. هذا الانتصار بلاغيٌّ أي أنَّ الغلبة تُحسم بوضوح الحجَّة وقوَّة البيان وهذا يعيد تعريف مفهوم الانتصار نفسه داخل الكتاب. ومن أكثر العبارات عمقًا في الكتاب قوله: “ وإذا كان السَّرد تمثيلًا للواقع، فإنَّه ليس تمثيلًا آليًّا، بل إنَّه تمثيلٌ له غاياته ودلالاته… وبإحكام بنائه يصبح غوايةً من لا غواية له”.. وهنا نلحظ كيف يكون السَّرد قوَّة بناءٍ دلالي، لا مرآةً مُحايدة لذلك يعيد ترتيب الواقع، ويغويه، ويمنحه معنىً ومضمونًا فريدًا.. يعود ويؤكِّد الكاتب بقوله “ فالمقامة وهي تتظاهر باللغة تخطو خطوةً أخرى… تكشف عن رحلة السَّرد من اللغة إلى الحكاية… ومن خلال هذا الزخرف اللغوي تنبثق الحكاية”. هذا التحليل يُسقط الثنائيَّة بين البلاغة والسَّرد فالحكاية تنبثق من البيان ذاته. وتأتي فكرة التناصِّ بالكتاب ذات أبعادٍ كما جاءت فيقول “ تعدُّ قضيَّة تناصِّ الرواية العربيَّة مع النصِّ التراثي السَّردي من القضايا الملحَّة… فالرواية تكتب بوعي التناصِّ..” ثمَّ يؤكِّد “فكلُّ نصٍّ يولد هو حاصل نصٍّ سابق”.. ثمَّ يضيف “يجب على الباحث تحديد السمات والظروف… حتَّى تتَّضح هويَّة النصِّ اللاحق..”.. هنا يوضِّح الكاتب أنَّ السَّرد لم يُقصَ تاريخيًّا، بل عاد عبر الرواية الحديثة بوعيٍ تناصيٍّ ومنهجيٍّ جديد. ولهذا أجد بعد قراءة الكتاب أنَّ العلاقة بين الشِّعر والانتصار والسَّرد والهزيمة ليست علاقةً جوهريَّةً ثابتة بل علاقةٌ سياقيَّةٌ تتبدَّل بتبدُّل اللحظة والحال والتحوُّل عبر العصور ونلحظ بذلك جليًّا أنَّ الأمَّة كانت في أوج حضورها السياسي والعسكري، لذلك كان الشِّعر صوتها الأعلى والأقوى بينما عندما دخلها الانكسار والهدم وجد السَّرد مجاله. لكنَّ السَّرد كما يُبرهن الكتاب لم يكن مهزومًا فنِّيًّا بل كان يمتلك قدرة المجادلة وقوَّة الغواية ومرونة التناصِّ وأبعاد العمق التأمُّلي. وبهذا فإنَّ الكتاب كما أرى لا ينتصر للشِّعر ضدَّ السَّرد ولا للسَّرد ضدَّ الشِّعر بل ينتصر للفهم التاريخي العميق لموقع الفنون في داخل الثقافات والمجتمعات.