على خطاه ..رحلة النور..

إحياء مسار الهجرة النبوية تقنياً ومعرفياً.

من المدينة المنورة، حيث انفتحت صفحة التحوّل الأكبر في تاريخ الإسلام، ينبثق مشروع درب الهجرة النبوية «على خُطاه» بوصفه محاولة وطنية واعية لاستعادة معنى الهجرة النبوية في سياق معاصر، لا يكتفي باستحضار الذاكرة، بل يُعيد تشكيلها في تجربة معرفية متكاملة. إنه مشروع يتقاطع فيه التاريخ بالإدارة، والقداسة بالتنظيم، والهوية بالتنمية؛ ليحوّل الدرب الذي سلكه النبي ﷺ وصاحبه أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة في العام الأول للهجرة، إلى مسار ثقافي تفاعلي يمتد أثره من أرض الحدث التاريخي إلى وجدان الزائر. مشهد يليق بالتاريخ برعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة المدينة المنورة رئيس مجلس هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة، أقيم حفل تدشين مشروع درب الهجرة النبوية وتجربة «على خُطاه»، حضر الحفل صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، ومعالي المستشار تركي آل الشيخ رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، وعدد من أصحاب الفضيلة والمعالي. حيث شهد الحفل عرضًا مرئيًا استعرض خطة تطوير 41 معلمًا تاريخيًا على امتداد 470 كيلومترًا في المسار الرابط بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، إضافة إلى استعراض خمسة مواضع رئيسة تثري جوانب من قصص الهجرة وتقدم عروضًا تفاعلية، ومنطقة مخصصة لمتحف الهجرة النبوية. كما اختُتمت المناسبة بعروض طائرات الدرونز التي زيّنت سماء الحفل بجوار جبل أحد، وتوقيع اتفاقية المشروع بين الجهات الشريكة، في مشهد يعكس اكتمال البناء المؤسسي للمبادرة. في كلمته خلال الحفل، أكد سمو أمير منطقة المدينة المنورة أن حكومة المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين (حفظهما الله) تولي المدينتين المقدستين عناية خاصة في إطار رعايتها للحرمين الشريفين وضيوف الرحمن. وأشار سموه إلى المشاريع التطويرية في الحرمين الشريفين وتطوير ما يحيط بهما من مواقع تاريخية، ضمن جهود الدولة لتعزيز ارتباط الزوار بالسيرة النبوية العطرة، والإسهام في إثراء رحلتهم وتعميق تجربة زيارتهم إلى المملكة، بما ينسجم مع شريعتنا السمحة دون إفراط أو تفريط. وأوضح سموه أن مشروع تطوير درب الهجرة النبوية يُعد شاهدًا حيًا على ما توليه القيادة الرشيدة من اهتمام بالمواقع التاريخية، ويمثل رؤية متكاملة تتناغم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 للعناية بالمواقع التاريخية، والإسهام في تعريف الأجيال بقيم النبي ﷺ ومنهجه خلال هجرته الشريفة. كما أكد أن المشروع يتيح للزوار فرصة تتبع خطوات النبي الكريم ﷺ وزيارة المواقع التي ارتبطت بتلك الرحلة العظيمة، بما يقدّم تجربة استثنائية تجمع بين الأثر الإيماني العميق للهجرة، وتجليات الثقافة الوطنية الأصيلة. إعداد مبكر وفوز مستحق من جانبه، أكّد معالي المستشار تركي آل الشيخ رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه أن مشروع «على خُطاه» جاء ثمرة توفيق الله سبحانه وتعالى ودعم القيادة الرشيدة، مشيرًا إلى أن انطلاقه يمثل خطوة مهمة في خدمة الزوار وتعزيز التجربة التاريخية والثقافية في المملكة. وأوضح أن الإعداد للمشروع بدأ منذ وقت مبكر، وأن المواقع التاريخية والتراثية جرى تهيئتها وتطويرها وفق أعلى المعايير العالمية تنفيذًا لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين وولي العهد (رعاهما الله) بما يعكس عنايتهما بالإرث الحضاري والإسلامي للمملكة. كما لفت معاليه إلى أن المشروع لم يكن ليرى النور بهذه الوتيرة لولا الدعم والمتابعة المستمرة من القيادة، والشراكة الفاعلة مع إمارة منطقة مكة المكرمة وإمارة منطقة المدينة المنورة، في نموذج يعكس تكامل الأدوار المؤسسية. وبيّن أن الجولة التي أُقيمت يمكن اعتبارها افتتاحًا تجريبيًا، جرى خلاله الوقوف على الملاحظات الأولية تمهيدًا لاستكمال المراحل التشغيلية، موضحًا أن المرحلة الأولى تستهدف استقبال مليون زائر، مع خطط للوصول إلى خمسة ملايين زائر بحلول عام 2030، ودراسة رفع العدد مستقبلًا إلى عشرة ملايين. وأكد أن المشروع يحمل أبعادًا تنموية واقتصادية واضحة، إذ يُتوقع أن يوفر نحو 25 ألف وظيفة في مرحلته الأولى، ترتفع لاحقًا إلى 200 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، مع برامج تدريبية متخصصة تضمن الالتزام بالضوابط الشرعية، بإشراف عدد من العلماء، في إطار يوازن بين التطوير والالتزام. وتتويجًا لهذا الجهد المؤسسي المبكر والمنهجي؛ جاء فوز مشروع «على خُطاه» بجائزة مكة للتميز ضمن فرع التميز الثقافي، إذ عُدَّ المشروع نموذجًا رائدًا في تقديم محتوى ثقافي يحاكي درب هجرة النبي محمد ﷺ بأسلوب علمي وتفاعلي يجمع بين الأصالة والمعاصرة. ويعكس هذا التقدير تقدّم المشروع من إطار المبادرة إلى مستوى التجربة المعترف بها رسميًا، بوصفه إسهامًا نوعيًا في إثراء المشهد الثقافي، وتعزيز حضور السيرة النبوية في الوعي العام عبر أدوات حديثة ومعايير رفيعة. ملامح المسار التاريخي يقوم مشروع درب الهجرة النبوية «على خُطاه» على محاكاة الدرب التاريخي الذي سلكه النبي محمد ﷺ مع صاحبه أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) خلال الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة في العام الأول للهجرة. ويهدف إلى تمكين الزوار من تتبع هذا المسار ضمن إطار منظم، يعكس أبعاده التاريخية والإيمانية والحضارية. ويمتد الدرب على مسافة تتجاوز 470 كيلومترًا، منها نحو 305 كيلومترات سيرًا على الأقدام، ويشمل 59 محطة تاريخية وإثرائية، و41 معلمًا تاريخيًا جرى العمل على تطويرها وتأهيلها، إضافة إلى خمسة مواقع رئيسة مرتبطة بأحداث محورية في رحلة الهجرة. وقد جرى تحديد هذه المواقع استنادًا إلى المصادر التاريخية المعتمدة، وبالتنسيق مع الجهات الرسمية المختصة، بما يعكس حرص القائمين على المشروع على الجمع بين الدقة العلمية والتنظيم الميداني، وعدم الاكتفاء بالطرح الرمزي أو الاحتفالي. ولا يقف المشروع عند حدود إعادة تأهيل المواقع، بل يقدّم تجربة متكاملة تشمل زيارات منظمة للمواقع التاريخية، ومحاكاة للأحداث باستخدام تقنيات الواقع المعزز، وورش عمل ثقافية، وتجربة ركوب الإبل، بما يتيح للزائر استحضار أجواء الرحلة في سياق معاصر منضبط. كما يتضمن المشروع منطقة مخصصة لمتحف الهجرة النبوية، يعرض سردًا بصريًا ومعرفيًا لمسار الهجرة، ويقدّم محتوى تفاعليًا يستند إلى البحث العلمي، ويستحضر البعد الإنساني والحضاري لهذا الحدث المفصلي. وبهذه العناصر، يتحول «على خُطاه» إلى منصة تعليمية وثقافية، تعزز الوعي بالسيرة النبوية، وتربط بين المعرفة النظرية والمشاهدة الميدانية، في إطار يحفظ قدسية المكان ويؤكد على أصالته. توافق مع الرؤية لا يأتي مشروع درب الهجرة النبوية «على خُطاه» بوصفه مبادرة ثقافية معزولة، بل يتقاطع مع البنية الاستراتيجية لرؤية المملكة 2030، التي وضعت التراث في قلب مشروعها التنموي، وعدّته ركيزة من ركائز الهوية الوطنية والقوة الناعمة. ففي إطار برامج الرؤية، ولا سيما برنامج خدمة ضيوف الرحمن وبرنامج جودة الحياة، تتعزز العناية بالمواقع التاريخية، ويُعاد توظيفها ضمن منظومة متكاملة تُحسن إدارتها، وترفع كفاءتها، وتوسّع أثرها المجتمعي والاقتصادي. وإذا كانت الرؤية قد أكدت على تعظيم الاستفادة من العمق الحضاري للمملكة، فإن «على خُطاه» يقدم نموذجًا عمليًا لذلك؛ إذ يحوّل مسارًا تاريخيًا إلى منتج ثقافي منظم، يستند إلى التوثيق العلمي، ويستثمر في البنية التحتية والخدمات المصاحبة، بما يسهم في تنشيط المناطق الواقعة على امتداد الدرب، وفتح آفاق اقتصادية جديدة مرتبطة بالسياحة الدينية والأنشطة المعرفية. وهنا تتجلى معادلة الرؤية بوضوح: حفظ التراث لا بوصفه ذاكرة جامدة، بل موردًا متجددًا. إنه انتقال بالذاكرة من الحفظ إلى التفعيل، ومن السرد إلى التجربة، بما يضمن استدامة الأثر، ويجعل من الهجرة النبوية مصدر إلهامٍ يتجدد في الوجدان البشري. معرض (الهجرة على خطى الرسول) وفي سياق متصل بتعزيز التجربة الثقافية المرتبطة بالسيرة النبوية، افتتح أصحاب السمو الملكي والمعالي، معرض «الهجرة على خطى الرسول ﷺ»، الذي ينظمه مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) بالتعاون مع هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة وشركة «Milaf Global»، في مقره القريب من مسجد قباء، ليشكل امتدادًا ثقافيًا مباشرًا لفضاء السيرة النبوية في المدينة المنورة. وخلال جولته في المعرض، استمع الحضور إلى شرح تفصيلي حول مكونات التجربة التفاعلية التي صُممت وفق منهج بحثي دقيق يجمع بين التوثيق التاريخي والتقنيات المعاصرة في العرض البصري والسرد المعرفي. ويستعرض المعرض رحلة الهجرة النبوية عبر 14 محطة تفاعلية، أُعدت بإشراف خبراء وباحثين محليين ودوليين، لتقديم سرد معرفي يستحضر القيم الإنسانية والحضارية التي شكلت جوهر الحدث التاريخي. ويمتد المحتوى المعروض على مسار الهجرة وكان له أثر عميق في التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في شبه الجزيرة العربية، حيث تم التركيز على معاني التخطيط الاستراتيجي، والثبات على المبادئ، وبناء المجتمع المتماسك في مرحلة التأسيس الحضاري للدولة الإسلامية. ويعكس المعرض رؤية ثقافية حديثة لتقديم السيرة النبوية عبر وسائط معرفية متعددة، كما أوضح مدير مركز إثراء المكلّف مصعب السعران، إذ يضم المعرض أكثر من 53 قطعة فنية شارك في إنتاجها أكثر من 70 فنانًا من أكثر من 20 دولة، إلى جانب عرض الفيلم الوثائقي الذي سبق تقديمه في بينالي الفنون الإسلامية 2023، إضافة إلى كتاب «الهجرة على خطى الرسول ﷺ» باللغتين العربية والإنجليزية، وتجربة الواقع الافتراضي التي تتيح للزائر معايشة أجواء الرحلة التاريخية بطرق تفاعلية حديثة. وبهذا يتحول المعرض إلى منصة ثقافية عالمية تسعى إلى إبراز البعد الحضاري للسيرة النبوية، وإيصال رسالتها الإنسانية إلى جمهور أوسع عبر لغة الفن والمعرفة.