يوميات مستشرق هولندي عن الصيام والعيد ..

مشاهدات رمضانية من مكة في أواخر القرن التاسع عشر.

في أواخر القرن التاسع عشر، أقام المستشرق الهولندي كريستيان سنوك هرخرونيه في مكة المكرمة، وعاش بين أهلها أشهرًا دوّن خلالها ملاحظات دقيقة عن حياتهم اليومية. وفي رمضان، وجّه هرخرونيه نظره إلى المدينة وهي تدخل زمنًا مختلفًا، لا في معناه الديني فحسب، بل في تنظيمه الاجتماعي والمعيشي؛ فرصد إيقاع الصيام، وحركة الناس بين المسجد والبيت والسوق، وتحوّل الأيام الأخيرة من الشهر إلى حالة انتظار جماعي لعيد الفطر. ومن خلال هذه المعايشة، ترك وصفًا نادرًا لرمضان المكي كما عاشه الناس في ذلك الزمن: عبادةً، وسلوكًا اجتماعيًا، وذاكرة مدينةٍ كاملة وهي تستعد للفرح بعد الصيام. سعيٌ وراء المعرفة وُلد كريستيان سنوك هرخرونيه عام 1857م في هولندا، وتكوّن علميًا في جامعة ليدن، حيث درس اللاهوت واللغات الشرقية، ثم تخصّص مبكرًا في دراسة الإسلام والمجتمعات الإسلامية. لم يكن اهتمامه نظريًا أو نصّيًا فحسب، بل انصرف إلى ما يمكن تسميته “الإسلام المعاش”؛ أي الحياة اليومية للمسلمين، وعلاقاتهم الاجتماعية، وتنظيمهم للزمن والمدينة. هذا التوجه قاده إلى الحجاز، ليس بوصفه سائحًا أو رحّالة عابرًا، بل باحثًا يسعى إلى الملاحظة المباشرة من الداخل. جاء هرخرونيه إلى المنطقة في منتصف ثمانينيات القرن التاسع عشر، في زمن كانت فيه مكة المكرمة مغلقة تمامًا أمام غير المسلمين. وبمساعدة إتقانه اللغة العربية، ومعرفته بالفقه والعادات الإسلامية، تمكّن من الدخول إلى مكة بعد أن قدّم نفسه بوصفه مسلمًا، واتخذ اسمًا عربيًا، وأقام في المدينة عدة أشهر. خلال تلك الفترة، عاش بين أهلها، واختلط بالعلماء والمجاورين والتجار، ما أتاح له الاطلاع على تفاصيل الحياة اليومية التي لم تكن متاحة لأي باحث أوروبي في ذلك الزمن. إقامة هرخرونيه في مكة لم تكن عابرة، بل كانت مشروعًا بحثيًا متكاملًا على مدار عام (1884-1885م). دوّن ملاحظاته بدقة، وكتب عن العمران، والعلاقات الاجتماعية، والمواسم الدينية، ووثّق بالكلمة والصورة مشاهد نادرة من داخل المدينة. هذه التجربة، على ما تثيره اليوم من نقاشات أخلاقية ومعرفية، جعلت من كتاباته واحدة من أهم الشهادات الأجنبية عن مكة في أواخر القرن التاسع عشر، ومهّدت لما سيكتبه لاحقًا عن رمضان، بوصفه شهرًا تتكثف فيه معاني المدينة وحياتها الاجتماعية. شهرٌ مختلف حين حلّ شهر رمضان على مكة المكرمة، لاحظ هرخرونيه أن المدينة تدخل زمنًا مغايرًا لإيقاعها المعتاد. لم يكن التغيير مقتصرًا على الصيام بوصفه عبادة فردية، بل شمل تنظيم اليوم بأكمله؛ فالنهار يغدو أهدأ، والحركة تخفّ، بينما تنتقل الحياة تدريجيًا إلى ساعات المساء والليل. هذا التحول الزمني، في نظره، كان سمة أساسية لرمضان المكي، حيث تتكيّف المدينة مع الصيام بوصفه نظامًا يوميًا شاملًا. رصد هرخرونيه كيف تُعاد صياغة العلاقات الاجتماعية تبعًا لهذا الإيقاع الجديد. المواعيد، الزيارات، العمل، وحتى الجلوس في الحرم، كلها تخضع لتوقيت الصيام والإفطار. لم يكن رمضان شهر انقطاع عن الحياة، بل شهر إعادة ترتيب لها، تُضبط فيه تفاصيل اليوم على إيقاع ديني واجتماعي واحد. توقف هرخرونيه طويلًا عند مشهد الإفطار، لا من زاوية الطعام ذاته، بل من زاوية الاجتماع حوله. لاحظ أن موائد الإفطار في مكة كانت تعكس بوضوح البنية الاجتماعية للمدينة؛ ففي الأيام العادية عادةً تكون هناك موائد بسيطة للفقراء والمجاورين، وأخرى أوسع للتجار ووجهاء البلد، لكن في رمضان يصبح الأمر مختلفًا، فالكرم سمة مشتركة تجمع الجميع، ويتحول الإفطار إلى لحظة تلاقي، تُمحى فيها الفوارق، ويظهر فيها معنى المشاركة والتكافل. الصائم لا يفطر وحده، بل ضمن جماعة، سواء في البيت أو في أروقة الحرم. وفي هذه اللحظة، رأى هرخرونيه أن رمضان يفرض لغة اجتماعية خاصة، تتقدّم فيها الجماعة على الفرد، وقد عبّر عنها في كتابه “مكة” ــ الذي صدر بالألمانية في عام 1888م، ثمّ تُرجِمَ إلى الإنجليزية عام 1931م تحت عنوان “مكة في أواخر القرن التاسع عشر: الحياة اليومية والعادات والتنظيم الاجتماعي” ـ بقوله: “الإفطار عمل جماعي؛ تتجمع العائلات والجيران، وحتى أبسط الوجبات تُشارك في روح من الصحبة والتآخي”. المسجد والليل كان المسجد الحرام، في رمضان، مركز الثقل اليومي والليلي للمدينة. سجّل هرخرونيه كثافة الحضور في الصلوات، وامتلاء الأروقة بالحلقات العلمية، وامتداد السهر الديني إلى ساعات متأخرة من الليل. لم يكن الحرم مكان عبادة فحسب، بل فضاءً جامعًا للعلم، واللقاء، والمراقبة الاجتماعية أيضًا. لاحظ أن الليل في مكة لا يهدأ في رمضان، بل ينشط على نحو مختلف. بعد الإفطار، تمتلئ الطرقات، وتتحرك الأسواق، ويستمر الناس في التنقل بين المسجد والبيوت. هذا الامتداد الليلي للحياة، في نظره، كان أحد الفوارق الجوهرية بين رمضان وغيره من شهور السنة. وقد أشار هرخرونيه إلى ذلك في كتابه بالقول: “الحرم، في كل الأوقات، مركز الحياة الاجتماعية والدينية؛ خلال رمضان، تمتلئ ساحاته وممراته بالمصلين والطلاب والمسافرين على حد سواء”. ترقّب العيد في الأيام الأخيرة من رمضان، تغيّر المشهد مرة أخرى. رصد هرخرونيه حالة الترقّب التي تسود المدينة مع اقتراب عيد الفطر. الأسواق تزدحم، والناس ينشغلون بشراء الملابس الجديدة، وتجهيز ما يلزم للعيد، وتزداد الحركة بشكل ملحوظ مقارنة ببدايات الشهر. يقول هرخرونيه واصفًا مكة في تلك الأثناء: “الشوارع، التي عادةً ما تكون هادئة خلال النهار، تمتلئ بالنساء والأطفال وهم يتجولون في الأسواق لشراء الملابس الجديدة والحلويات والهدايا. يعرض التجار أفضل بضائعهم، وتمتلئ الأجواء بالترقّب والحماس. تحضّر العائلات بيوتها ومطابخها للاحتفال، ومع اقتراب يوم العيد، يتحوّل إيقاع المدينة تدريجيًا من وقار الصيام إلى الفرح والاحتفال الجماعي، حيث تمتلئ الساحات والمنازل بالضحك ورائحة الأطباق الخاصة التي تُحضّر لهذه المناسبة”. هذا الترقب لم يكن مجرد استعداد مادي، بل حالة نفسية عامة. الصيام يقترب من نهايته، والمدينة تستعد للانتقال من زمن الزهد إلى زمن الفرح المشروع. وقد لاحظ هرخرونيه أن هذا التحول يتم تدريجيًا، وكأن مكة تهيئ نفسها للعيد خطوة خطوة. العيد وذاكرة المدينة جاء عيد الفطر، كما وصفه هرخرونيه، تتويجًا لهذا الشهر الطويل. صلاة العيد تجمع الناس، ثم تبدأ الزيارات، وتبادل التهاني، وتوزيع الصدقات. بدا العيد لحظة انفراج جماعي، تظهر فيها البهجة بوضوح بعد أسابيع من الصيام. يصف العيد قائلًا: “يجلب يوم العيد مكة إلى حالة من الاحتفال الجماعي. تتحادث العائلات والجيران، ويتشاركون الوجبات، ويوزعون الهدايا على المحتاجين. حتى أصغر البيوت تشارك، لضمان انتشار الكرم والفرح في كل مكان”. لم يتعامل هرخرونيه مع العيد بوصفه حدثًا عابرًا، بل بوصفه جزءًا من دورة رمضانية مكتملة: صيام، ترقّب، ثم فرح. وفي هذا الانتقال، رأى صورة دقيقة للمجتمع المكي، وهو يوازن بين العبادة والحياة، بين الانضباط والاحتفال، في زمن كانت فيه مكة تعيش إيقاعها الخاص، بعيدًا عن أنماط المدن الأخرى. توثيق استثنائي يعد كتاب هرخرونيه عن مكة من أهم الكتب الغربية عن المدينة المقدسة، وهو متساوي في الأهمية مع كتاب ريتشارد بيرتون عن الحج عام 1855م، ولكن مع الاهتمام الإضافي بالصور الفوتوغرافية التي التقطها هرخرونيه نفسه، وتلميذه السيد عبدالغفار، وهو طبيب مكي، أول مصور عربي لمكة المكرمة، وقد بات هذا الكتاب مصدرًا استثنائيًا لمن يرغب في فهم مكة المكرمة في تلك الفترة الزمنية القديمة. عاد هرخرونيه إلى هولندا عام 1885م بعد تجربة امتدت نحو عام كامل في مكة، محملاً بانطباعات عميقة عن المدينة وسكانها. وصف رحلته بأنها فرصة نادرة لفهم دينامية المجتمع المكي من الداخل، بعيدًا عن الانطباعات السطحية للزوار الغربيين. أعجب بتنظيم المدينة وبالتوازن الذي يحققه السكان بين الواجب الديني والنشاط الاجتماعي، كما لاحظ كيف ينسج الناس علاقاتهم اليومية في إطار من القيم المشتركة والتقاليد الراسخة. بالنسبة له؛ كانت مكة تجربة ثقافية واجتماعية متكاملة. ـــــــــــــــــــ * الصور من أرشيف كريستيان سنوك هرخرونيه، Mekka (1888–1889)، وتندرج تحت نطاق الملكية العامة (Public Domain).