الانحياز التوكيدي..وحصار العقل.

دأبَ العقلُ البشري على البحث تلقائيًا عن المعلومة التي نؤكد قناعاته المسبقة، وتتجاهل أو تقلل قيمة ما يخالفها. مما يجعل الإنسان عُرضةً لعطب إدراكي يؤدي إلى أخطر المُشَوِّهات المعرفية، وذلك حين يميل الشخص إلى التركيز على المعلومات التي تنسجم مع آرائه الانطباعية، وتتوافق مع ثوابته الراسخة، وتتجاهل الحقائق والأدلة المعارضة لها. مما يؤدي إلى رؤى مشوهة، ومن ثم اتخاذ قرارات غير منطقية تمتد آثارها لتطال البنى الثقافية، والمعتقدات الدينية، وصولًا إلى أدق تفاصيل الحياة الشخصية. وهذا ما سُمي في العصر الحديث بـ “الانحياز التوكيدي “Confirmation Bias. تناولت الأديان السماوية “الانحياز التوكيدي” من منظور تحذيري، ولو لم تستخدم المصطلح بنصه الحديث. بل كان يشار إليه تراثيًا بـ “اتباع الهوى” فالقرآن الكريم وفي عدة آيات كريمة يحذر الإنسان من اتباع الهوى دون دليل قاطع، بل جعله في حافة الشِرك، منها قوله تعالى “َأفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ” الآية 23 – سورة الجاثية. وفي سياق الفكر الإسلامي، قال “الإمام علي بن أبي طالب – رضي الله عنه” (يُعْرَف الرجالُ بالحق، ولا يُعْرَف الحقُ بالرجال) وفي هذا القول تأصيلًا عميقًا لقاعدة فكرية بالغة الدلالة عند البحث عن الحقيقة، والحث على التفكير النقدي وعدم التعصب الأعمى للأشخاص. لأن الأشخاص قد يخطئون، بينما الحق ثابت لا يتغير. أما “الكتاب المقدس” فقد دعا لامتحان كل شيء قبل تبنيه حين قال “الجاهل يُصَدِّق كل كلمة، والعاقل يتأمل خطواته” كما دعا “سقراط 470ق.م -399 ق.م” إلى الشك والتحقق المستمر. جميع هذه النداءات المقدسة، وغيرها من الأقوال الإنسانية تحث على التدقيق المنهجي بدل التصديق التلقائي. ظهر” الانحياز التوكيدي” كمفهوم فلسفي لأول مرة في الستينيات من القرن العشرين، على يد عالم النفس البريطاني “بيتر واسون 1924م - 2003م” من خلال تجربته الشهيرة المعروفة بـ “قاعدة واسون” التي كشف فيها عن ميل الخاضعين لدراسته إلى اختيار الأمثلة المؤكدة لقناعاتهم بدلًا من الاستعداد لدحضها. وتحدث الفيلسوف البريطاني” فرنسيس بيكون 1561م – 1626م” صاحب “المنهج التجريبي” حول أوهام العقل التي تعزز “الانحياز التوكيدي” قائلًا “لو بدأ الإنسان من المؤكدات انتهى إلى الشك، ولو اكتفى بالبدء في الشك، لانتهى إلى المؤكدات” وذهب الفيلسوف النمساوي” كارل بوبر 1902م – 1994م” إلى ضرورة دحض الفرضيات بدلًا من تأكيدها، حين اقترح مبدأ “التكذيب Falsifiability “ كمعيار للتمييز بين العلم الحقيقي والعلم الزائف. حيث رأى أن الفرضيات والنظريات العلمية لا يمكن إثبات صحتها بشكل قاطع، وإنما يمكن – فقط - اختبارها ومحاولة دحضها. فإذا نجت النظرية من محاولات الدحض المتكررة، فإنها تظل مقبولة حتى يثبت خطؤها. بينما طرح عالم الاجتماع الأمريكي “ليون فيستينغر 1919م – 1989م” نظريته حول “التنافر المعرفي” والتي تصف الحالة النفسية التي تحدث عندما يواجه الشخص معلومات أو مواقف تتناقض مع ثوابته أو قيمه أو سلوكياته الراسخة. هذا التنافر يسبب توترًا داخليًا، مما يدفع الشخص إلى محاولة تقليل هذا التوتر من خلال تجاهل التناقض أو إنكاره، أو إضافة قناعة جديدة تبرر التناقض، أو تسوِّغ تغيير السلوك ليتماشى مع المفاهيم القائمة. وتتعدد العوامل التي تغذي “الانحياز التوكيدي” منها الخوف من عدم اليقين والحاجة إلى الشعور بالأمان، والإجهاد المعرفي، وضغوط الحياة اليومية التي تجعل التفكير التحليلي جُهدًا لا يحتمل. يُعد “الانحياز التوكيدي” تحديًا معرفيًا يواجه الجميع، لكن الوعي به – على المستوى الشخصي - هو الخطوة الأولى نحو مواجهة نتائجه السلبية، وذلك عبر تبني التفكير النقدي المنفتح على وجهات النظر الأخرى. ولو رغب المرء أن يتلمس مؤشر الوعي عنده أو عند شخص آخر، فلينظر إلى مساحة “الانحياز التوكيدي” في ثقافته، فكلما انخفض معدل مؤشر “الانحياز التوكيدي” ارتفع مؤشر الوعي، والعكس صحيح. وحينئذ يمكننا بناء مجتمعات أكثر انسجامًا، وأوسع استنارة. العقول تتشبب حين تختلف، وتَهْرَم حين ترفض أن تسمع. حقًا إنَّ “الانحيازَ التوكيديَّ” حصارٌ للعقل وآفةٌ للتفكير.