في المشهد الإعلامي السعودي والعربي، قلّما نجد تجربة تنقلت بين الصحافة الورقية، والإعلام الاقتصادي المتخصص، والمنصات الرقمية، والعمل التلفزيوني، والإدارة التنفيذية الكبرى، دون أن تفقد خيطها الناظم. تجربة محمد التونسي تنتمي إلى هذا النوع النادر، مسار لم يرتكز على الظهور، بل على التدرّج، ولم يتكئ على الاسم، بل على الفعل المتراكم. ولد في المدينة المنورة، وتكوّن أكاديمياً في الصحافة والإعلام، قبل أن يعمّق دراسته العليا في الولايات المتحدة، حيث احتكّ بمدارس تحريرية مختلفة، واكتسب حساسية التعامل مع الخبر بوصفه بناءً معرفياً لا مجرد واقعة. تلك الخلفية الأكاديمية المبكرة انعكست لاحقاً على أدائه المهني، إذ ظلّ يميل إلى التحليل، وإلى قراءة السياقات، وإلى تفكيك الظواهر بدل الاكتفاء بعناوينها. بدأ خطواته العملية في الصحافة المحلية، محرراً ومراسلاً قبل أن يتقدم إلى مواقع أكثر تأثيراً. في صحيفة الشرق الأوسط شغل موقع نائب رئيس التحرير، وأشرف على الملحق الاقتصادي، في تجربة وضعت اسمه في فضاء عربي واسع. هناك تعلّم كيف يُدار المحتوى العابر للحدود، وكيف تُصاغ المادة في بيئة سياسية وثقافية متعددة الطبقات. لم يكن العمل في تلك المؤسسة مجرد وظيفة، بل اختباراً يومياً للدقة والاتزان، ومختبراً لفهم العلاقة بين الإعلام وصناعة الرأي العام في منطقة مضطربة. غير أن المنعطف الأبرز في مسيرته جاء مع صحيفة الاقتصادية، حيث تولّى رئاسة تحريرها وكان أول من قادها في مرحلة تأسيسية مفصلية. هنا انتقل من موقع الإدارة التحريرية إلى موقع صناعة الهوية. «الاقتصادية» لم تكن صحيفة تقليدية، بل مشروعاً لتأسيس صحافة اقتصادية متخصصة في السعودية، بلغة تجمع بين الصرامة المهنية والقدرة على تبسيط المفاهيم المعقدة. قاد التونسي هذا المشروع واضعاً نصب عينيه أن الاقتصاد ليس أرقاماً جافة، بل قرارات تمس حياة الناس واستقرارهم وفرصهم. تحت قيادته، تعززت مساحة التحليل، وتوسعت التغطيات المعمقة، وبرزت الصحيفة كمرجع في الشأن المالي والاستثماري. ومن الاقتصاد إلى الفضاء الرقمي، خاض تجربة مبكرة مع الصحافة الإلكترونية، حين تولّى رئاسة تحرير «إيلاف»، في مرحلة كانت فيها الصحافة الرقمية لا تزال تبحث عن شرعيتها المهنية. هناك اختبر إيقاعاً مختلفاً، وسرعةً أعلى، وجمهوراً أكثر تفاعلاً. لم يكن الانتقال سهلاً، لكنه أضاف إلى رصيده فهماً عميقاً لطبيعة التحول الذي سيعيد تشكيل الإعلام في العقدين التاليين. ثم جاءت محطة التلفزيون، حين تولّى إدارة قناة الإخبارية السعودية. الانتقال من الورق إلى الشاشة ليس مجرد تغيير وسيلة، بل تغيير منطق كامل في صناعة الرسالة. في هذا الموقع التنفيذي، واجه تحديات البث المباشر، وإدارة فرق إنتاج كبيرة، وصياغة محتوى إخباري متوازن في لحظة إقليمية حساسة. خبرته الصحفية منحته قدرة على ضبط الإيقاع، وعلى ترسيخ معايير مهنية في بيئة تتطلب سرعة القرار. عاد بعدها إلى الصحافة المكتوبة من بوابة عكاظ متولياً رئاسة تحرير واحدة من أعرق الصحف السعودية. كانت المهمة مزدوجة: تحديث الخطاب التحريري، وتعزيز الحضور الرقمي، دون التفريط في الإرث التاريخي للمؤسسة. عمل على تطوير المحتوى الاستقصائي، وفتح المجال أمام أصوات جديدة، وسعى إلى جعل «عكاظ» أقرب إلى نبض المجتمع، وأكثر جرأة في طرح الملفات الاجتماعية والتنموية. في هذه المرحلة، بدت خبراته المتراكمة كأنها تتلاقى في نقطة واحدة: القدرة على إدارة التحول دون فقدان الهوية. ولم تتوقف تجربته عند الحدود المحلية. في الإمارات، تولّى قيادة صحيفة الرؤية في تجربة عكست حضوره الإقليمي، وقدرته على قراءة خصوصية كل سوق إعلامي. عمل على إعادة صياغة هوية الصحيفة، وتحديث خطابها، وتوسيع حضورها الرقمي، في بيئة تنافسية عالية. كما شغل أدواراً استشارية في مؤسسات حكومية، مسهماً في صياغة استراتيجيات تواصل مؤسسي تعكس فهماً عميقاً للعلاقة بين الإعلام وصناعة الصورة العامة. وفي محطة لاحقة، تولّى إدارة عامة لمجموعة MBC في السعودية، في موقع تنفيذي رفيع داخل واحدة من أكبر المجموعات الإعلامية في المنطقة. هنا لم يعد الحديث عن صحيفة أو قناة بعينها، بل عن منظومة متكاملة من الإنتاج التلفزيوني والترفيهي والإخباري. في هذا الموقع، بدا واضحاً انشغاله بتطوير المحتوى المحلي، وتعزيز حضور الصناعة الإعلامية السعودية، ومواءمة الإنتاج مع تحولات المجتمع ورؤية المملكة المستقبلية. إلى جانب مناصبه التنفيذية، حافظ التونسي على حضور لافت في المؤتمرات والمنتديات الإعلامية، متحدثاً عن مستقبل الصحافة، وأخلاقيات المهنة، والتحول الرقمي. لم يكن حضوره استعراضياً، بل قائماً على تجربة عملية تمتد لعقود. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، يقدّم قراءة هادئة للشأن العام، ويشارك في النقاشات الكبرى دون انجرار إلى السجالات العابرة، محافظاً على نبرة تحليلية تعكس خلفيته الصحفية. ما يميز مسيرة محمد التونسي ليس كثرة المناصب، بل قدرته على الانتقال بينها دون أن يبدو متنقلاً بلا اتجاه. كل محطة كانت تضيف بعداً جديداً: الاتساع العربي في «الشرق الأوسط»، العمق التخصصي في الاقتصادية»، الجرأة الرقمية في «إيلاف»، الانضباط البثي في «الإخبارية»، التوازن الوطني في «عكاظ»، الرؤية الإقليمية في «الرؤية»، ثم الإدارة الشاملة في «MBC». هذه السلسلة لا تُقرأ كتنقلات، بل كتراكمات. في زمن تتغير فيه المنصات بسرعة، وتذوب فيه الحدود بين الإعلام التقليدي والرقمي، تمثل تجربته نموذجاً لإعلامي لم يتعامل مع التحولات بوصفها تهديداً، بل فرصة لإعادة التعريف. ظلّ مؤمناً بأن جوهر المهنة ثابت: الدقة، والعمق، واحترام عقل المتلقي. أما الوسائل، فهي أدوات تتبدل، وعلى الإعلامي أن يجيد استخدامها دون أن يسمح لها بأن تغيّر مبادئه. هكذا تتشكل صورة محمد التونسي. هو ليس مجرد رئيس تحرير سابق، أو مدير قناة، أو مسؤول تنفيذي في مجموعة كبرى، بل مشروع إعلامي متكامل، تشكّل عبر مدارس متعددة، وظلّ وفياً لفكرة واحدة، هي أن الإعلام حين يُدار بعقلية استراتيجية، ويُكتب بوعي معرفي، ويُقدَّم بمسؤولية أخلاقية، يصبح شريكاً في صناعة الوعي، لا مجرد ناقل للأحداث. (*) كاتب وصحافي سعودي