في الفجر لم يكن النوم ممكنا، وعلى بعد ساعات تنتظرني رحلة دولية. كعادتي أقضي بعض الوقت فوق السرير بين الصحو والمنام متزملا بأحلام اليقظة. أسافر بأحلامي كل يوم وبجسدي ربما كل أسبوع أو شهر، وعلي ينطبق القول: (من يكثر الترحال يصبح غريبا في وطنه).الغربة لا تترجم الى دموع ، بل إلى ضحكات وقهقهات عالية ، ربما محاولة من العقل الباطن أن لا يعيش الأهل والأصدقاء فصولها الحزينة ، أو قل محاولة أن أكون مهرّجا كما كتبتُ ذات قصيدة . يبادرني إبراهيم بطرقات خفيفة على باب غرفتي، فقد طلبت منه ايصالي للمطار مساء البارحة، أو فجر الْيَوْم، وكان يظنني نائما!. ألغريب أن يوقظني مثله !، كم كنت أجهد في إيقاظه كل صباح للمدرسة أو لمواعيد أسفارنا المشتركة. الإنسان إذا ألقيت عليه المهمة يتحملها. بعد حمام صباحي دافئ كما هي عادتي كل صباح لتعديل المزاج أكثر منها طقوس نظافة فائضة، وتوديع المستيقظين من الأهل، وتفحص الأساسيات المعدّة مسبقا، أغادر متمهلا كما هي عادتي. في الطريق الى المطار حديث مقتضب مع (بكري) وتوصيات مستهلكة لتزجية الوقت أكثر منها نصائح. كم أكره التصنّع. قُبلةٌ على الجبين، وتلويحة من بعيد، قبل أن أدلف في بطن المطار، وتلتقمني الطائرة. في صالة الانتظار أستمتع بقهوتي الصباحية وتصفّح رسائل الجوال والقراءة، قبل أن يُعلن موعد الإقلاع. لم تتأخر الرحلة رغم أن المطار كان أشبه بعلبة الساردين، فهذا موسم مكتظ، يعود فيه آلاف الحجاج الى ديارهم. في مقعدي على النافذة كنت أتابع ابتعاد الطائرة عن الأرض بشكل مضطرد. كانت الشوارع والبيوت تصغر أحجامها وتتضاءل كلما ازددنا علوا. في شهر أغسطس لا تقطع عليك السحب متعة مشاهدة معالم الجغرافيا من بعيد وكأنك طائر مهاجر. المطار وشرم أبحر ومدينة الملك عبدالله الرياضية أصبحت خلفي وأصبح ممكنا متابعة معالم سطح الأرض بكلياتها من السماء. الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر هادئ وصاف وبالإمكان مشاهدة بعض السفن كنملة تسير على بساط أزرق ضخم. أتأمل الجزر والسواحل وجبال الحجاز التي يبدو بعضها من بعيد. طالما شغفت بالجغرافيا والسفر والكتابة، الآن أتأملها من بعيد كرجل طاعن في السن يتأمل تاريخ حياته. كنت أبحث بعد حوالي الساعة عن مدن جديدة على سواحل البحر الأحمر ونيوم، مدنا وعد بها مهندس الرؤية السعودية الأمير محمد بن سلمان، بدا لي أنني شاهدت حراكا على الساحل، تجمعات متناسقة لمباني ربما كانت نواة لتلك المدن الموعودة، مدنا منظمة وفتية نشتاق لها كلما زرنا مدن الآخرين وشعرنا بمرارة المقارنات. ألم يقل محمود درويش ذات شعر: (القمح ُ مُرُّ في حقولُ الآخرين). كم أتشوق أن تتحقق الرؤية فنحن في زمن يصدق فيه قول شكسبير: (أن تكون أو لا تكون). ذلك الحراك أشبه بشتلة صغيرة في غابة من الرمال والأراضي والشواطئ الخالية، أشبه بقطرة في بح، ولكن أليس أول الغيث قطرة كما يقول المثل العربي العميق. بدا لي وأنا على بساط الريح الحديدي في القرن الواحد والعشرين وكأنني أغادر سواحل بلادي من فوق جزيرتي تيران وصنافير التي ستحتضن الجسر البري بين أرض الحرمين وأرض الكنانة. كان مدخل خليج العقبة وشواطئه الشرقية والغربية أقرب ما يكون برسمة على الخارطة. ثم اعتلينا جبال سيناء، الأرض المقدسة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام وأمره أن يخلع نعليه، الأرض التي تجلى فيها الله تعالى للجبل فجعله دكا. أقلعت من أقدس أرض، ولا زالت الأقداس تلاحقني. خليج السويس يبدو من الجو كأخ أكبر لخليج العقبة. أطول وأعرض منه، االخليجان يبدوان كأذني أرنب غير متساويتين، لعل زاوية الرؤية جعلت خليج السويس أكبر كثيرا من خليج العقبة، كم تجولت على سواحل شاطئه الغربي في منتجعات العين السخنة وما حولها، قناة السويس في نهاية خليج السويس الشمالية تبدو كخيط أزرق رفيع على بساط أصفر من صحراء سيناء، هذه الأعجوبة المصرية الحديثة بعد أهرامات الجيزة لا يتعدى عمرها القرنين، ولكنها ربطت بين بحرين، وأصبح الالتفاف حول القارة الأفريقية من رأس الرجاء الصالح للوصول الى أوروبا مجرد خيار ثان ومستبعد. دقائق ونعتلي الهضبة المصرية، تبدو العاصمة الإدارية الجديدة بتخطيطاتها الجميلة وهي على مرمى البصر من وادي النيل العظيم ولكنها خارجه على كل حال، مستقبل مصر كما يقول أبرز خبرائها خارج وادي النيل الخصب الذي احتضن حضاراتها العظيمة قبل أكثر من خمسة آلاف عام، منذ عجائبها الهندسية وأهراماتها ومعابدها الى الكنائس والمساجد، مصر كما يقولون: (هبة النيل)، ولكن الأراضي الجرداء على أطراف الوادي هبات جديدة!. ببطء ودعة يبحر بساط الريح الحديدي نحو دلتا وادي النيل، وهي الأراضي المنخفضة في أقصى شمال مصر حيث يتفرع نهر النيل العظيم إلى فرعيه الشهيرين (رشيد ودمياط) كم كان تعلمها في دروس الجغرافيا متعة، المتعة الأكبر أن تتأملها من هذا الارتفاع الشاهق، الانخفاض في سطح الدلتا يوزع مياه النيل وطميه على مساحات أكبر ولذلك هي أراض خصبة للزراعة منذ القدم ولا زالت تبدو كمثلث أخضر مهول رأسه في شمال القاهرة وقاعدته تمتد بمحاذاة سواحل البحر الأبيض المتوسط وداخلها مئات المدن والقرى والنَّاس الطيبين والحكايات، بيسر يمكن تمييز مدينة المنصورة وسط مثلث الدلتا ومن بعيد تبدو مدن بورسعيد والإسكندرية على طرفي قاعدة مثلث الدلتا. بساط الريح الحديدي يمنحك فرصة لمراجعة دروس الجغرافيا من مقعدك الوثير، وتأمل فعلها في التاريخ كذلك. حين اجتزنا سواحل المتوسط الجنوبية دخلنا في بحر من الزرقة، هذا البحر الذي تتقاسمه أوروبا مع العالم العربي، وإن مزجت الجغرافيا بالتاريخ والحضارات قلت يتقاسمه الإسلام والمسيحية. بعد أكثر من ساعة من الزرقة العميقة وبسرعة بساطنا التي تقارب الألف كيلومتر في الساعة، بدأت تظهر بعض الجزر على الشواطئ الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، لابد أنها بعضا من آلاف الجزر اليونانية، حيث تمتد الحضارة الإغريقية من أكثر من ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، ثم دخول إيطاليا من الجنوب، من كعب حذائها الشتوي الطويل - وإن كنّا في عز الصيف - كنّا نطير بمحاذاة الشاطئ الغربي لإيطاليا، فالخارطة الإيطالية تشبه رجلا ممددة في البحر تتمدد بحذائها الشتوي الأنيق بين البحر الأدرياتيكي في الشرق وبحر الأدرياني في الغرب بينما يغوص حذائها في البحر المتوسط، التحليق على القارة الأوروبية يدهشك بكثرة المدن والقرى والمزارع والأنهار، بالكاد تشاهد أرضا بكرا لم تطالها يد الإنسان في الغابات المتناثرة على رؤوس الجبال وبعض الهضاب والسهول، ربما لذلك سُميت بالقارة العجوز، فطبيعتها مستهلكة وهو ما دفع الى الدقة والصرامة في تنفيذ الأنظمة لغرض الاستدامة. الارتقاء فوق سلاسل جبال الألب في أقصى الشمال الإيطالي يعني اقترابنا من مدينة جنيف السويسرية الواقعة على هضبة بين سلاسل جبال الألب وجبال مورا، بدأ الثلج يكسو رؤوس الجبال وكأنها رؤوس شيوخ لا تموت، بدأت السحب المتفرقة بالظهور، مظهرة أكثر مما تخفي من جمال الطبيعة الأخاذ، وبينما أعلن قائد بساط الريح الحديدي شد الأحزمة لتثبيتنا في المقاعد، استعدادا للهبوط في الدرة السويسرية، كانت بحيرة جنيف ونافورتها الشهيرة وأنهارها وبيوتها وشوارعها تبدو أكثر وضوحا مع اقترابنا من مطار جنيف.