الفن أداة للمقاومة، وهذا ما تثبته التجربة الملموسة وما يؤكده الحراك الشعبي الذي يكون الفن عادة في صدارته، ويؤكد هذه الرؤية الفيلم الوثائقي «السودان، إذًكرونا»، الذي يبرز على مقاومة السودانيون الشباب الدكتاتورية والقمع والقتل بالشعر والفن . “ السودان.. أتذكرونا” للمخرجة والصحفية الفرنسية التونسية المغربية “هند المدب” الفيلم الذي حظي بعروض دولية بارزة في عدة مهرجانات في العام الماضي منها، البندقية وتورونتو ، يجسد روح الشباب السوداني خلال ثورة 2019، لحظة عابرة تلتقط فيها” هند المدب” الفرح والإمكانات قبل أن تتحول البلاد إلى حرب أهلية. وسط العنف الذي تلا ذلك، المخرجة تلتقط شرارة أمل في نشاط أربعة شباب سودانيين يستخدمون الشعر والاعتصامات والموسيقى والفن للمطالبة بالديمقراطية. هم شجان ومها ومزمل وخطاب الذين يعبرون عن رغبتهم في الحرية . يبدأ كاحتفال مفعم بالأمل بعد الإطاحة بعمر البشير لتتحول المشاهد إلى رواية يأس وإحباط مع اشتداد العنف وتحول البلاد نحو الحرب الأهلية . يبدأ الفيلم في عام 2023، بلقطات لشوارع الخرطوم المهجورة مصحوبة بمكالمة صوتية بين المدب وإحدى النساء اللواتي كانت تتابعهن منذ أربع سنوات. الوضع رهيب، وهذا واضح كثيرا. تقول المخرجة “من نافذتي، أرى مدينة ميتة”، بينما نسمع صوتا يشدو في محادثة لاحقة: كيف وصلت إلى هذا؟ . يعود الفيلم بالزمن والأحداث إلى عام 2019، إلى أحداث الاعتصام الحاشد بعد أشهر من الاحتجاجات ، الأجواء بين المتظاهرين مفعمة بالبهجة والفرح ولكنه ينقلب إلى خوف ويأس في الليلة الأخيرة من شهر رمضان، حين فرقت قوات الأمن الاعتصام بعنف، مما أسفر عن مقتل أكثر من 100 شخص . هذا الاعتصام والتعبئة التي سبقته وما أعقبته من أحداث تتابعها المخرجة هند المدب، إبنة الكاتب التونسي عبدالوهاب المدب، بكاميراتها من خلال عيون بعض الشباب السودانيين، وخاصة الشابات. في خضم أعمال العنف التي تلت ذلك، تعثر المخرجة على شرارة أمل في نشاط أربعة شبان سودانيين يستخدمون الشعر والاعتصامات والاحتجاج بالموسيقى والغناء والفن للمطالبة بالديمقراطية . الفيلم بمثابة تصوير لشجاعة الشباب وفرحهم وإيمانهم الراسخ بوعدهم بمستقبل أفضل وأكثر إنصافا . يناضلون من أجل الحرية، بالقصائد والأغاني الحماسية التي يتم ترديدها، إنها بمثابة درع للرصاص، وبلسم للجروح، وبوصلة لأولئك الذين يتقدمون في الظلام .في شوارع الخرطوم، يصبح الشعراء المجهولون جنرالات الروح، ويوجهون الحشد بالكلمات، ويقيمون الكلمة كمعيار، من بينهم، أيمن ماو، الشخصية المركزية في الفيلم، الذي يحرك الذاكرة الجماعية. أصبحت موسيقى الراب الخاصة به، المستعرة والمتجذرة بعمق في التقاليد السودانية، نشيداً لشاب يقف على قدميه. يشكل وجهه ونظرته وصوته صورة مؤثرة لفنان في ساحات النضال . الفيلم يعطي أيضا صوتا لأولئك المهمشين من الشابات والشباب السودانيين، وكذلك الطلاب والفنانين والنشطاء الذين يسيطرون على الشارع الذي تحول إلى مسرح. يصبح الرصيف لوحة لمسرح الثورة، شباب وشابات ويصرخون ويرقصون، لأنهم يعرفون أن صوتهم مهم . تحتضن كاميرا المدب هذا الهمّ والوجع بالكلمة والشعر . تسمح للواقع بفرض دراماتورجيا خاصة به . عمل سينمائي متوهج مأهول يحول الواقع إلى مادة شعرية . إنه محاولة لالتقاط تلك اللحظة عندما ينهض شعب ، ليس بالسلاح ولكن بالكلمات، وبالرقص والأغاني . “السودان، إذكرونا” ليس قصة بطولية وليس قصة انتصار، إنه جرح مفتوح و ثورة مصادرة . “السودان تذكرنا” شهادة حية على روح المقاومة والإصرار لدى الشباب السوداني .أربعة ناشطين سودانيين شباب في العشرينات من العمر، هؤلاء الشباب النشطاء سياسيا والمبدعين فنيا ليسوا سوى نموذج لجيل يناضل من أجل الحرية بكلماتهم وقصائدهم وهتافاتهم. خاطر هؤلاء الشباب السودانيون بكل شيء للإطاحة بالنظام العسكري في البلاد من خلال ثورة حماسية . ويعد العمل شهادة على المقاومة والروح الثورية للسودان، وهو على حد تعبير مخرجته “جوقة سينمائية”. في الوقت الذي واجه فيه السودان عامين من الحرب العنيفة والمعادية للثورة والمجاعة وأجبر ملايين الأشخاص على المنفى، إلى جانب اللامبالاة من العالم، فإن هذا الفيلم هو صورة لأمة وشعب سيستمر في المثابرة والإصرار على مستقبل مشرق وعادل . يمنح الفيلم المرأة مكانا مركزيا ،المخرجة تسلط الضوء على البُعد النسوي للثورة، حين كانت المرأة منذ البداية في الخطوط الأمامية . يمنح هذا الفيلم الوثائقي وقتا للثورة والكلام والإيقاع والصمت. تسمع شعارات أصبحت أسطورية: “دم الشهيد ليس له ثمن” أو “الرصاص لا يقتل – الصمت يقتل.” إنه تمجيد لقوة الكلمة ضد إطلاق النار . إحدى معجزات الفيلم هي أنه يظهر أن الثورة لم تكن سياسية فحسب – بل كانت شاعرية . في الاحتجاجات، حلت المبارزات الشعرية أحيانا محل المناقشات. صرخ الشباب بأسماء شعرائهم كما يستشهد آخرون بالأبطال الوطنيين. كما توضح هند المدب، كيف يعمل الشعر السوداني كجوقة قديمة: إنه يتحدث باسم الناس و إلى الناس و من الناس.منذ الدقائق الأولى من الفيلم نفهم أن الشعر في السودان تقليد سياسي وشعبي قوي. لطالما حل محل الصحافة الصامتة وكان بمثابة وسيلة للمقاومة . شِعرُهم يعكس واقعهم المعاصر ويستمد إلهامه من قادة الانتفاضات السابقة في الستينيات والثمانينيات ، كما تظهر المخرجة طريقة تطويع الشعر كأداة احتجاج في السودان لعقود، في إشارة إلى أعمال شعراء مثل محمد الحسن سليم، المعروف باسم “الحمصة”، ومحمد القدال. أحد نجوم الفيلم هو” معاد شيخون” ، شاعر الثورة السودانية الذي غالبا ما ينظر إليه على أنه الصوت الشعري للنشطاء السودانيين . يختتم الفيلم بقراءة شعرية لشيخون، ويأتي ذلك بمثابة خط أمل في حاضر يشوبه واقع قاتم وعنيف . * كاتب عراقي