قراءة في كتاب سعيد السريحي (الرويس) رحمه الله..
تأصيل للأصول و تجذير للجذور واستكشاف واستشراف.
حين تناهى إلى سمعي النبأ الفاجع عن رحيل الأديب الناقد سعيد السريحي الذي جمعتني به فعاليات ثقافية متعددة منذ ما يقرب من أربعين سنة ، وعرفت فيه عمق الرؤية وحصافة الرأي وشجاعة الموقف في طرح افكاره الطامحة إلى التجديد في مناهج البحث وقراءة النصوص التي تبدّت طلائعها في كتابه الشهير (خارج الأقواس) الذي أشارت إليه أغلب عناوين المقالات التي كتبت في تأبينه (رحمه الله) وهي تشير إلى خروجه على المألوف وحرية التفكير ؛ وقد اطلعت على كتابه (الرويس ) الذي بدا فيه كاتبا مبدعاً ، وليس كما عُرف عنه ناقدا فحسب ، فهو سلسلة من السرديّات المحتشدة بالحوارات التي تقع بين جملة من فنون السيرة و القصة القصيرة و الرواية والتأملات والذكريات ، وجدت فيه تجسيدا ًلهذه الحرية ؛ فهويجمع اشتاتاً مجتمعات متّسقات من الفنون السردية و التأملات والتوصيفات التي تستعصي على التصنيف الدقيق وتقع خارج الأقواس ، بدا لي في اختياره للمكان الذي استحوذ على ذاكرته عائداً إلى الجذور بحسٍّ تاريخيٍّ عرف عنه أنه لا يعتدّ به منهجاً في مقارباته النقدية ؛ فالرويس حيّ المنشأ و منطلق الذات في تأصيل وجودها الفرديّ و الجمعيّ ، ولطالما تحاورنا معه (رحمه الله) حول مصطلح ثقافة الصحراء التي تبناها الناقد النابه عبد الله نور (رحمه الله) و الدكتور سعد البازعي في كتابه (ثقافة الصحراء) وأشار إلى ذلك في مقدمة كتابه (إحالات القصيدة – قراءات في الشعر المعاصر) وتوقف عندها طويلا الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه (تجديد الفكر العربي) فحيّ الرويس التاريخي هو الحقل الذي نبت فيه ، وتقصّى ملامحه في هذا الكتاب حيث تداخل الوعي الذاتي مع الوعي الجمعي وتواصلت الجذور مع الأغصان؛ ولم تغب شمس الزمان عن فضاء المكان. وظل التراث ماثلا جنباً إلى جنب مع الواقع المعاصر؛ وأذكر أنه في إحدى جلسات ملتقى النص في نادي جدة الثقافي ، وكنت قد قدّمت ورقة عن الشاعر طاهر الزمخشري، وأشرت إلى خصوصيته الإبداعية فحاورني حول مسألة الخصوصية ، وكان الدكتور عالي القرشي (رحمه الله) رئيساً للجلسة و لظروف خاصة فقد اعتذر عن الإجابة عما طرح من مقاربات حول البحوث المقدمة دون مناقشة الأسئلة و المداخلات التي قدّمها الحاضرون حول الأوراق التي قدمها الباحثون فلم تتح لنا الفرصة للحوار حول هذه الخصوصية؛ كان (رحمه الله) يرفض الأقواس بالفعل ، ويصرّ على التحرّر من المحدّدات التي تعرقل حرية التفكير ؛ وفي هذا الكتاب ما يؤكد هذا المنحى. ينبش كتابه (الرويس) في الذاكرة التاريخيّة للمكان ، ويعمل على تعرية الجذور و تقصّي التفاصيل التراثيّة و الواقعية لهذا الحي، ويعيد قراءة ملامحه واستقصاء تفاصيل حياته و وجوده ، ويُطلق لقلمه العنان في لمِّ شظايا انطباعاته وتصوّراته ، فتتداخل السيرة الذاتيّة مع التأملات الحرّة والتفاصيل الهامشيّة و المواقف الجوهريّة في إضمامة واحدة؛ فنحن أمام حكايات وتأملات وتوصيفات وانطباعات تلتئم في نصٍّ يتداخل فيه السّرد والوصف والتخييل ، وهو لايقف موقفاً محايداً من المحيط المكاني و الاجتماعي ؛ بل يستنطق المكان ويعمل على تأويل ظواهره ، ويفكّك بنيته و يغوص في دخائله، ويروي حكايات تلك الطبقات الكادحة التي ترسم خريطته الاجتماعية من الفقراءو العمال و البحارة و والبدو ، ويستطلع أحوالهم ويقوم بقراءة العلامات الدّالة على معاناتهم حيث ملوحة العرق الذي بنزُّ من أعطافهم بسبب ما يعانونه من الشقاء وسطوَة الشمس على الشواطيء التي يكدحون في نهاراتها الحارقة . ولعل الفقرة الأولى التي يستهل بها كتابه تضيء لنا رؤيته للمكان و الزمان تخصيصا و تعميما ، فهو يقول : “ سقطنا بين مرحلتين سقطنا بين بداوة تموت و حضارة لم تولد بعد بين بداوة لم نعد نعرفها وحضارة لم تعترف بنا، هكذا نحن أبناء الرويس” وما الرويّس إلا شاهد على مرحلة لا تتوقف عند حدودها الجغرافية ؛ بل هي رؤية شاملة عميقة ، ربما تنسحب على الفضاء الجغرافي للمنطقة بأسرها، ولكنه يوغل في التخصيص مُبحِرا في سفن الصحراء ، واصفاً ظواهر الحياة الخاصّة في ارتباطها الوثيق بالبيئة المكانية ومشيراً إلى غربة أهلها عن معطيات المدينة الحديثة ، وهو يتقرّى تضاريس المكان بعيون مفتوحة وعدسات لاقطة ومعاناة شعوريّة حادّة ، وعلى الرغم من شاعرية اللغة ومجازاتها المفعمة بالتصورات فإن التوثيق للظواهر التاريخية يبدو واضحاً؛ في نغمة مأساوية لاتخطئها بصيرة القاريء ؛ فالبحر كما في أغلب الروايات التي عملت على التوثيق و التأصيل ورسم ملامح الهوية التاريخية تتجلى فيه المفارقة الوجودبة بين الموت و الحياة ؛ فهو مسعى الرزق ومصيدة الفناء ؛ ويستغرق وجدانه مشاهد الثُّكل فيقف شاهدا على ما يفضي به من مآسٍ ، يروي الحكايات الحزينة بأسماء أصحابها ، وتلتقط عدسته أشدّ لحظاتها حزناً حيث يصل حدّ الجنون ، وذلك في حوارات حيّة في واقعية صادمة . قصص مأساوية متناثرة أقرب إلى أن تكون لقطات في شريط سينمائي ينتظمها خيط خفيّ في دائرة دلاليّة تبدو على حوافِّ عالم آخر في سرديّة (عابدة ) وطفلها الذي احتضنته ميتاً ورفضت أن تلقي به لحيتان البحر ،وقصة (رحلة ابن سعيد) وغرائب الواقعة فيها ، يبدو في هذه السرديات راصداً للّهجات ومتتبّعاً للوقائع مصوًراً ومؤرخاً حيناً ، ومستعيداً لذاكرة المكان ومؤرخاً للحياة الاجتماعيّة ، مُلتقطاً لظواهرها، راصداً لاصداء الحياة فيها ، مشاهد حواريّة تتبدّى فيها اختلاف اللهجات وطرائق التعامل وأساليب التفكير و يظلُّ حيُّ الرويس اللازمة التي لا تختفي ؛ فهو المحور والمرجع و المصدر ، وكاني بالسريحي يستنقذ المكان من بين مخالب الزمان ويستعيده حيّا ناطقاً: “ ترنفع عقيرة احدهم : أهل الرويس يا قرامش حوت ورجالكم بشبش الساحل والنزلة اللي تعلت فوق لعلها السعد دايم “ تحتل الحوارات مساحة واسعة من هذه الحكايات التي تطول أحياناّ بلغتها(الفورية) والمقصود بها اللغة اليومية الحية ، وليست اللغة (الفوراوية) وهي من اللغات النيلية الصحراوية في دارفور . و سردياته وحوارياته لا تحمل عناوين محددة ؛ بل إشارة شكليّة على البداية و النهاية في شكل فصول متتابعة ؛ أغلب الحوارات فيها بلغة محلية ، ومجمل الاهتمام بما يدور في خَلَد أهل الرويس والذين يطوون بأقدامهم المسافة المترامية بين الرويس وشاطيء جدة وما بينهما من مواقع ترتع فيها كائنات خفيّة كما وقر في المعتقدات السائدة في تلك المجتمعات التي يصف معاناتها مع ظروف العيش وسبلها , “ بين حيّهم وحياتهم في الرويس وبين جدة مسافة للوحشة و مساكن تاوي إليها الجن و أخرى للموتى “ والرويس اسم يأتي في سياقات متعددة ؛ إذ يشير في الإنجليزية إلى الاستقراطية و الطبقة االأرستقراطية وإلى الهيبة و النبل وإلى الشهرة و الانتشار كما تنبئنا المراجع الغربية ، وفي العربية راس الوادي والوالي المتقدم من السحاب ، وتعني القمة آو التل المرتفع والرئيس للفقراء، العمال، البحارة، والبدو، إلى ذلك ، وفي هذا الكتاب لا يتطرق المؤلف إلى هذه المعاني ولكنها متضمنة في وجدانه ؛ يتضح ذلك حين يقول: “ الرويس ماء يتقدم في الأرض أرض تتقدم في الماء هياكل من الماء في هيئة الطين شمس تتزاور بين الماء و الطين “ يوغل المؤلف في تقصّي ملامح المجتمع القديم في الرويس بكل فئاته وألوانه وتحوّلاته ، ومكوّناته وحراكه ويستعرض ألوانا من العلاقات بين أهل الرويس والطارئين عليه من مجتمعات أخرى يحفر في الجذور و أشكال التعامل و العلاقات ، وكيف يتم تداول فئات من اليشر تتغير أسماؤهم بتغير مالكيهم ، حيث يورد ملامح الحياة و تقلبات الأحوال ، وحتى العوالم الموازيَة من المخلوقات الخفية (الجن) وتزدحم سرديّاته بالتفاصيل التي تأخذ شكل الشعر في السطور التي تحتوي على جملة أوعبارة ، ثم ينتقل إلى غيرها وكأنه يمتح من بئر الذاكرة واصفاً ومقدّماً ما يشبه البورتريهات لأنماط من البشر ،متنقّلاً في وصفه بين نماذج شتّى روى غالباً بلسان السارد العليم ، وحاشداً لأسماء أبطاله التي تتغير بتغير من يملك شأن المملوك(قبل تحرير العبيد) ،وواصفاً تقلّب الأحوال و الرحيل عن الرويس بسبب الحرب و الفاقة ، و واصفاً طقوسهم الاجتماعيّة وتعاملهم مع تقلّبات البحر و ضحاياه ، وصلتهم باالمدينة وعلائقهم الأخرى فيما يشبه الدراسات الإلنثروبولوجية (علم الاجتماع البشري) الذي يدرس أصول المجتمعات وتطورها عبر الزمن والاختلاطات العرقية ؛ وهو لم يغادر مجتمع الأحياء إلا إلى مجتمع الأموات واستكشاف الصلة بين الموتى الذين دفنوا قبل عشرات السنين إلى الذين دفنوا حديثاًً ؛ فيروي – على سبيل المثال – قصة دفن (بنت أبوخليل) وما صادفوه من وجود جثة (حامد بن أحمد) الذي تآكل كفنه وما زال كما لو أنه دفن بالأمس ، وتتداعى قصص الموتى منثالةً من ذاكرة القوم على نحو سخيٍّ ، وإذ ينتقل من عالم الأموات يتحدّث عن عالم الأحياء في الرويس وجهودهم وتقاليدهم في البناء: “ هكذا نحن أبناء الرويس نبني بيوتنا بالحجر و الطين والخشب و القش و الحكايات بين كل حجر و حجر حكاية بين كل بيت وبيت حكاية حكاية للحياة حكاية للموت” واللافت انه ختم به سرديّاته بنعيٍ للرويس التي ابتلعتها جدّة ، ورثاء ماضيها؛ فقد تحدّث عن المدينة (جدة) واصفاً كيف كان يعيش أهلها في أوقات الأزمة، وكيف كانوا يفزعون إلى الرويس في الأزمات ، و يبنون فيها قصورهم، وكيف تغوّلت عليها المدينة وأضاعت ملامحها ، وهكذا فقد تقصّى تاريخ (ديرته) ونبش في ذاكرته عن ملامحها حاشداً حكاياتها ومعاناتها وطقوس الحياة و الموت فيها ، وكأني به يُنقّب عن الجذور ويؤصّل الأصول. رحم الله سعيد السريحي الذي ترك بصماته الثقافية واضحةً شاهدةً على نصاعة بيانه وعمق رؤاه وتطلًعه إلى التأصيل و التجديد.