أسرار البدايات.
فكرة عبقرية ليس بالمعنى الفنتازي ولكن بالمعنى السياسي وبالمعنى الميداني المدني باقتراح إعادة تاريخ الدولة السعودية إلى نبع البدايات بتصور بصري يتمثل في رمز النخلة والصقر والخيل والسوق كنقطة تجمع بشري في فضاء عام مشترك، وببصيرة نحلم بتطويرها يوميا على جميع المستويات سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا بإذن الله وذلك بالبناء على منجز دولة ومجتمع القرن الثامن عشر المتمثل حينها كما يشخصه د. خالد الدخيل من منظور علم الاجتماع السياسي ، وبما زكاه د. سعد الصويان من منظور إنثروبولوجي، بالإشارة لتلك الانطلاقة الأولى كاستجابة للحاجة السياسية والاجتماعية لتأسيس دولة مركزية تقوم على منظومة الأمن والإستقرار . وتأتي رؤيتنا لعبقرية فكرة إحياء تلك اللحظة التاريخية ليس من منطلق تمجيدي لماض بعيد ولكن لأكثر من سبب موضوعي نذكر منهما في هذه اللمحة الخاطفة سببين: الأول يتمثل في إضاءت الظرف التاريخي والحاجة السياسية والاجتماعية التي اقتضت الإنطلاقة الأولى للـتأسيس عام1727م كأول دولة مركزية تنبثق من قلب الجزيرة العربية على أرض الدرعية بعد دولة الخلافة الأولى ، وكذلك لإضاءات استمراريتها حيث بحلول العام القادم يكون قد مضى على تلك البداية التأسيسية ٣٠٠ عام لم يتخللها أي انقطاع إلا خمسة عشر عام متقطعة من 1818 إلى ١825 . ومن 1891 إلىً1902 أما السبب الثاني والذي يجعل تلك البداية التأسيسية جديرة بالإحياء فهو إتاحة الفرصة لاستعادة تلك البداية تحليليا وإعادة اكتشاف أسرار تلك الاستمرارية التاريخية الملفتة ليس فقط بقراءة البحوث والدراسات التي ركزت على عامل الدولة في التأسيس والاستمرار ولكن أيضا بقراءة المقابل للدولة وهو المجتمع وبقراءة طبيعة جدل العلاقة بينهما وتطور هذه العلاقة سواء في ظل البداية أو في ظل توجه المضي قدما تاريخيا منذ عهد الملك عبدالعزيز إلى اليوم في تأسيس دولة عصرية وأيضا في ضوء عمل مقارن بين متطلبات القرن الثامن عشر لتأسيس دولة مركزية واستمراريتها وبين متطلبات ذلك لدولة موحدة مستقلة مع نهاية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين. يقول المفكر عبدالعزيز الخضر المجتمع السعودي صناعة سعودية بمعنى أن شكل المجتمع السعودي بنية مؤسسية ونسيج اجتماعي لم يكن ليصبح بما هو عليه الآن لولا التوحيد السياسي لمناطق المملكة من جانب، والتمازج الثقافي الطوعي والمتعمد والمعطى الاقتصادي من ناحية أخرى، كل ذلك أدى لخلق الوحدة الوطنية التي نعيش نعمتها والمجتمع السعودي بملامحه الاجتماعية المتبلورة، وعلى صحة هذا القول وهو مطروح بأعمق مما يظهر في هذه المقالة المختصرة، فإنه في يوم العودة لينابيع التأسيس الأولى نحتاج بالإضافة للاستعادة الاحتفائية استعادة نقدية بدراسات وبحوث تحليلية تقرأ المسار بتحولاته التاريخية مدها وجزرها وبتحدياته الراهنة الداخلية والخارجية خاصة والمملكة تقود في الداخل أجرأ عملية ثورية داخل بنية المجتمع القيمية وواقعه المؤسسي والفردي مع تعديلات هامة في منظومته العدلية تحديدا فيما يخص تنظيم العلاقة الأسرية التي تحكم علاقة المرأة والرجل وعلاقة كل منهما بمفهوم المواطنة بما يتطلب ذلك من تعميق وتطوير لمواجهة تحدي التوازن بين الاستقرار والتغيير ، كما تقود في الخارج أوسع عملية استقلال عن الارتهان لشرط السيطرة المحدقة من القوى الإقليمية والدولية معا. ولله الأمر من قبل ومن بعد وبيده مقاليد الأمور.