رحم الله سعيد السريحى، احتفى ناقدا بناء أسماه “ الكتابة خارج الأقواس” ، سيرته التي كتبها كانت سيرة حياة تسير خارج السياق المألوف، فسيرة الرجل هنا ليست أيامه التى عاشها و إنما تشمل ذاكرته التى تراكمت فيها سير أبائه و أجداده، و كيف استقرت في ذهنه و تفاعلت لتحرير مخيلته منذ نعومة أظفاره، ليصل إلى خط النهاية و قد تصالح مع الموت، ( لم أعد أنا وحدي، لم أعد وحدى المسجون بين قوسي الولادة و الموت، غدوت أنا الإنسان، أتقلب في الأعمار، و غدت ولادتي و موتي أزيائي و أرديتى ، كلما بلى منها شيء خلعته عني، و ارتديت الجديد منه، أولد و معى يولد موتي، و حين أموت أنسج من ولادتى الحديدة خيوط كفني) التصالح مع الموت بدا لى أنه الفكرة الأساسية في هذا التدوين الفاتن، كلما عشنا كلما أصبح الموت قريبا، و هو عند سعيد موت بين حياتين، و مع اقتراب الموت و تقدم العمر ندخل في مرحلة يراها اليافعون نوعا من الخرف، و لكنها عند سعيد تعنى أن تستعيد الذاكرة حيويتها و قد استوعبت سيرته و سيرة أجداده و أحلام طفولته، مع حلاوة أيامه و قساوتها، كل ذلك ما انتهى إليه سعيد، فهو يعيش حياته شاهدا على حياة الآخرين، أصبحت حياة الآخرين غير منفصلة عن حياته و أيامه، يحكيها لاحفاده فيقال له : هذا حدث مع جدك، يتراجع قليلا، و لكنه ليس قادرا على استيعاب أن حياته كانت ذات سياق مختلف، كيف ينتزع شجرة أيامه من جذورها في تربة زمان عاشه من قبل الولادة وسيعيشه أبناؤه من بعده. اختلف أبواه على اسمه، أراده أبوه سعدا و إرادته أمه سعيدا، قال أبوه : أبويه سعيد مات شباب، ما تعدى الثلاثين، و جدى سعد تعدى التسعين، تصر الأم : الأعمار بيد الله، بس إسم سعيد أحلى، و كان ما كان، آلتف خط العمر على اسم سعيد، لكن لم تعد هناك رصاصات تضع نهاية لمن تبالغ أعمارهم في الطول، ماذا لو بقي حيا تتوارثه الأجيال ، ينتقل من بيت لركن بيت، يقول أحد الأحفاد: هذا جد جدي، جدي يقول : نسينى الموت يا سعيد، ترتجف الأضلاع، ماذا لو نسينى الموت؟ ، الموت مرعب، و لكن الحياة مرعبة كذلك، أشد رعبا من الموت، ربما لا يليق بنا أن نصفها بالحياة، تلك التى لا يكون ختامها الموت، الموت هو الذي يعطى معنى الحياة. عابد صديقه الذي فتح له أبواب القراءة، توحد مع الخيال الذي قادته إليه كتبه، رحل مبكرا، لم يحل الموت بين سعيد و عابد، سعيد يزور عابدا في مرضه، بعد موته أصبح عابد يزور سعيدا، اصطحب معه المنفلوطي مرة، و نجيب محفوظ أخري، ثم زاره برفقة شهرزاد ، كل ليلة تحكي له حكاية ، مثله مثل الملك شهريار، ثم انقطعت زيارات عابد، تقدمت السن بسعيد، لم يحتج أن يموت كي يرى ما لم يكن يراه، يرى الموتى أحياء يرزقون، يتسائل في حيرة عما إذا كان الذين يموتون يعرفون أنهم ماتوا، و هل يشاركون الأحياء الحزن عليهم، أم أنهم غسلوا أيديهم من أحزاننا كما نفعل بعد تناول الطعام، و كما يمسح البدو أيديهم في أطراف أرديتهم وهم يرددون : الله لا يغسل عنا نعمته. يخلو كثيرا إلى نفسه، يتحدث مع أولئك الذين يخطرون له ، يعجب مع من يتهم الذي يتحدث مع نفسه بالخرف، لا يدركون أن هؤلاء يتحدثون مع من باتوا يسكنون إليهم، يألفونهم، ينادمونهم ، بعد أن أنزلوهم منزلة أنفسهم، و غدا الحديث معهم حديثا إلى النفس. يشفق سعيد على أولئك البؤساء، الوحيدين إلا من أنفسهم، يشفق عليهم من وحدتهم، من عزلتهم التي تجعلهم فقراء إلى من يحيط بهم، يشفق على أولئك الذين لا يرون من الناس إلا من ينتصب أمامهم كالجدار أو يستعلي عليهم كالسقف، أو يتمدد تحت أقدامهم كدعاسات الابواب أو أعشاب الحدائق. حكايات الأمهات و وصايا الآباء تبقى حية لا تموت، أي عقوق يرتكبه الأبناء حين يتنازعون على ما تركه لهم أباؤهم من إرث، و يتجاهلون أعظم ما يتبقى لهم من أولئك الأباء، فلا يلقون عليهم تحية الصباح حين يصبحون، ولا يستأذنونهم في شيء مما يهمون بفعله. لم يعد سعيد بلقى لهم بالا، يتضاحكون عليِّ في السر، و أضحك منهم في العلن، أتحدث حين أشاء مع من أشاء ، مع نفسي كما يتوهمون، مع نفسي حين يكون من أتحدث معهم بمقام النفس، لن أسمح لأهل جيل واحد أو جيلين أن يحولوا بيني و بين حقيقة أنني وريث كل تلك الأجيال التي سلفت، تركوا لي أعمارهم أحياها بعدهم و رحلوا. ذكرنى بمقطع تغنيه أم زياد ( كل الذين أحبهم… . نهبوا رقادي واستراحوا..) حسن الخاتمة بات يرددها كل من حولى، لم يعد أحد يتمنى لى غير هذا، لم تكن تلك تعنى إلا أنهم يتمنون لى موتا رحيما، كأنما يعبرون عن رغبة خفية في الخلاص منى، إذ يبدو و كأنني أصبحت عبئا عليهم. هل دعاؤهم بحسن الخاتمة يتضمن سوء ظن بما سلف من حياته؟ سأل الحفيد أمه ذات مساء : جدي كان كافر؟ - استغفر الله العظيم، ما تستحي على وجهك، ما تشوف جدك ما يفوت فرض. كان أبنائي يعودون من مدارسهم وفي حقائبهم تندس الأشرطة و المنشورات التى لا تخلو من همز و لمز، تشكك في دينى حينا و في وطنيتى حينا آخر. أحمد الله أن أسماءهم تحمل اللقب الأخير في إسمي الحربي، فلا يعرف أحد أنهم أبناء السريحي الذي تحذر تلك الأشرطة من فكره. أصبح مثل عمه مسعد، حتى الموت ما هو راضى يجيني يا سعيد، الموت ما ينسى أحد و الأعمار بيد الله. لم أكن أنا سعيد أظن أنني سابلغ من العمر ما يجعل أبنائى يدعون لي بحسن الخاتمة، و أنا ما زلت قادرا على الوقوف و المشي، لم أكن طريح الفراش مثل العم مسعد، بت في مرحلة لم أعد فيها راغبا في الحياة، و لكننى لم أصبح مستعدا الموت. أبحث عن خاتمة تليق بى. أجداده لم يمت أكثرهم بسلام، ماذا لم مت بسلام مثل ما ماتت أسيا، ماتت حين جاء الموعد، استيقظت من نومها صباحا، سألت ابنتها إن كان قد مر على وفاة أبيها سبع سنوات، أكدت الإبنة ذلك، فتحت أسيا خزانة ملابسها، أخرجت كفنها، بخرته بالعود و عطرته بالعنبر، و فردته تتأمله، دعتها ابنتها إلى الفطور، قالت : إنها صائمة، لمت كفنها ثم فردته سجادة لها و راحت تصلى، قال زوجها : شوفى يا بنت خالى، عشت سبع سنين قبل ما تولدين، و لازم تعيشينها بعد ما أموت، و بعدها تلحقين بي، ردت : الله يجعل يومي قبل يومك، تسبقني في الولادة و أسبقك في الموت، واحدة لي و واحدة لك. أكملت أسيا صلاتها، رفعت يديها بالدعاء، ثم إضطجعت، أغمضت عينيها، و لحقت زوجها. ليس للسريحي حساب يصفيه مع أحد، لم يكن ولن يكون ، حياة تنتهي بالموت لا تستحق أن يضيعها الإنسان في تصفية الحسابات ولا حتى في الانتصاف. وهما يغادران قاعة الدرس قال لأستاذه لطفي عبد البديع : دكتور انا في مشكلةٍ …إزاى؟…أنت تهدم كل ما تعلمته….كويس، كويس؟ و بعد ما اخسر كل ما تعلمته؟ لم يجب الأستاذ، و ترك تلميذه على ركام من المعرفة، يعيد بناء الأنقاض ، حجرا حجرا ، و حين يدركه الإعياء يسقط أرضا، يفيق فيجد يدا تمسح عن جبينه الدم و العرق و الغبار. هناك في الجامعة، تنادوا ذات ريبة، سألوه ما رأيك في أدونيس؟ قال : اختلافنا معه لا يجعلنا ننكر أنه شاعر و مفكر. وقع في المصيدة. استدعاه سيد الجامعه ، مساومة واضحة ، أكتب تعهدا بأن تترك الجامعة ، إذا أقنعت اللجنة بأن تمنحك درجة الدكتوراة، صرخت في عقله وصايا والده : كن رجلا و اصمد ، و احذر إن أحاطوا بك أن تتراجع، إستيقظ البدوي داخله، لم يعد يهمه بعدها ما يمنحون وما يمنعون، مبررهم أن الطالب سلك منهجا في البحث غير المنهج الذي ترتضيه الجامعة، قال لسيد الجامعة: هذا المنهج الذي تنكرونه هو نفس منهجي في رسالة الماجستير ، و منحتموني بموجبه درجة الإمتياز ، وهو المنهج الذي أقرته الكلية في خطة البحث و تمت المصادقة عليه، يجيب سيد الجامعة : الخطأ لا يبرر الخطأ. عندما جاء سعيد للالتحاق بقسم اللغة العربية قيل له في لجنة القبول : أنت الثاني في الدرجة على السعودية ، دراستك للغة العربية لن تجعل منك أكثر من مدرس للغة العربية، عثر لسانه : ليه ، يعني تخصص اللغة العربية غير محترم ؟ لكنه أصر، مع سيد الجامعة وافق ، لم يعد يريد البقاء في الجامعة ، و لكن سيد الجامعة لم يف بما وعد ، حُرم الدرجة و خرج من الجامعة ، كان قد أخرج من حرموه من قلبه و ذاكرته، أخرجهم من مكة كذلك، كلما زارها وجدها أكثر طهرا و نقاء ، بعد أن محا ظالميه من ذاكرته، ثم مر عقدان، كتب أحدهم تقريرا نقض به السر، فاحت رائحة الفضيحة ، قالت زوجته: طالب بحقك في الدرجة العلمية التي سحبوها منك ، تغيرت الأحوال، رد سعيد : لم أكن حريصا عليها و أنا ألملم أوراق العمل، فهل يليق بي أن أحرص عليها و أنا الملم أوراق العمر، دعيها يا عائشة عارا لا يبرأون منه ما عاشوا، و إذا ماتوا طاردتهم في قبورهم! تصالح سعيد مع الموت بعد أن تصالح مع الحياة على طريقته ، و ها هو في حياته الجديدة ، أسأل الله أن يكون له من اسمه أوفر الحظ و النصيب، رحمه الله وأحسن مثواه