نار الخبز .
طرح عبد العزيز النصافي في كتابه نار الخبز طريقة طريفة في الكتابة، وبأسلوب رشيق، فيه من شعرية الحب ومن بساطة التعبير، ومن المرونة والقدرة على الرصد، ما يجعلك تلتهم الكتاب كما لو كان رغيف خبز ساخن؛ وهو الخبز الذي جمع في خميرته بين شخصيّتين جدليّتين: نزار قباني وعبد الله الغذامي، وبين مذاقين مختلفين وصنوين متجاورين هما الشعر والنقد ويمكن لي في هذه الإنارة أن أسمّي هذا النوع من الكتابة بخبز النصافي، وهو اسم يصلح للتسويق التجاري وصناعة علامة تجارية باسم هذا الشاب اللطيف في حبه وفي مقابساته ومشاكساته، فقد صنع خبزًا من خميرة مركّبة تستحق هذا النوع من الوصف. ومن الطريف أن هذا المذاق من الكتابة موجود في روايته “أغنية قادمة من الغيم” وفي كتابه عن فن المحاورة “المبادع”. هذه هي طريقة عبد العزيز النصافي في الكتابة، تحضر فيها ذاكرته الصحفية والثقافية كما تحضر المواقف والمفارقات والمشاهد والأسماء، ليجمع كل ذلك في خميرة الكتابة، برشاقة في الأسلوب وسيرٍ حثيث غير متكلّف على السطور، وعفوية لا تحتفل ولا تنشغل بالشروط وتقاليد الكتابة المحكومة بالمسطرة. لذلك تسير معه فيما يكتب وهو يحدّثك حديث وجدان من واقع تجربة حياتية وبلسانٍ صحفيٍّ مبين، فيه من حلاوة الشعر ومن بهجة السياحة القرائية ما يجعل وقتك مع الكتاب رحلة سائح يستلذّ ما يقرأ ويستطعم ما يتذوّق، تارةً يتحفك بمذاق شعري، وتارة أخرى ينفحك بلطائف من المواقف والمشاهد، فهو كتاب مركّب في خميرته من سيرة ذاتية وغيرية، أو هو خليط من هذا المزاج السردي المتنوّع في شكل كتابي مطبوخ على نارٍ هادئة. ومما هو من قبيل فاتحة الشهية لتناول هذا الخبز الساخن، تلك المقدمة الرشيقة، التي حبّرها الشاعر السوري ياسر الأطرش، في مستهلّ الكتاب، بلغة آسرة كاشفة عن المضمون، أوقد بها شعلة البدء وأنار وجدان الكاتب تجاه مادته الروحية الثقافية، باعتباره رسالة حب، كتبها بخفة عصفور، على حدّ وصفه الرشيق، في مقترح عمل معقول لكتّاب الصحافة الأدبية من حيث دقة الاستشهاد والتمثّل والتوجيه اللطيف الذي لا يُشعر القارئ بالاستهانة به. هكذا قال ياسر الأطرش، وأقول أنا أيضا.