«السعوديةُ لا تُحمى بصفقةٍ.. بل تُحمى بإيمانِ شعبٍ عظيم»
السعوديةُ لم تُبنَ على ارتكازٍ هشٍّ يحتاجُ إلى عكازٍ خارجيٍّ، و لم تتشكلْ كواجهةٍ تبحثُ عمَّن يحرسُ صورتَها من خلفِ الستارِ، بل قامتْ على كتلةٍ وطنيةٍ صلبةٍ ترى في الدولةِ امتدادَها الطبيعيَّ، و ترى في السيادةِ تعريفاً للذاتِ لا شعاراً للاستهلاكِ السياسيِّ .. بل تعريفاً يُترجمُ موقفاً عند كلِّ اختبار. الفكرةُ التي تهمسُ في الهامشِ تقول إن معاركَ العصرِ تحتاجُ إلى أصواتٍ مدفوعةٍ، و أن التموضعَ داخل شبكاتِ نفوذٍ عابرةٍ يمنحُ الموقفَ زخماً إضافياً، و أن الدفاعَ المأجورَ أداةٌ احترافيةٌ في زمنِ التشابكِ الإعلاميِّ .. بل الفكرةُ الحاسمةُ تقول إن من يفترضُ أن أبناءَ الوطنِ لا يكفونَ يفترضُ ضمناً أن الجبهةَ الداخليةَ ناقصةٌ، و أن السيادةَ تحتاجُ إلى واجهةٍ مستأجرةٍ تحرسُها من الظل. الدفاعُ العقديُّ في السعوديةِ ليسَ خطاباً عاطفياً، و لا اندفاعاً لحظياً، بل هو بنيةُ علاقةٍ تاريخيةٍ تشكَّلت عبرَ محطاتٍ من الصدامِ و البناءِ و التأسيسِ، الدولةُ قامتْ من مجتمعٍ شاركَ في حملِها، و المجتمعُ وجدَ فيها مظلتَهُ الجامعةَ، و عند كلِّ منعطفٍ لم يكن الالتفافُ الشعبيُّ خياراً تكتيكياً .. بل كان هو مركزَ الثقلِ الحقيقيِّ الذي تُبنى عليه المعادلة. في المقابلِ .. الدفاعُ المأجورُ علاقةٌ مشروطةٌ بسقفِ التحويلِ الماليِّ، يتحركُ بقدرِ ما يُدفعُ، و يعيدُ التموضعَ بقدرِ ما يتغيرُ العرضُ، يحرسُ الصورةَ لا الجوهرَ، و يقفُ عند حدودِ المقابلِ لا عند حدودِ السيادةِ، و في الحقيقةِ كلُّ علاقةٍ قائمةٍ على المنفعةِ قابلةٌ للانقلابِ عند أولِ ضغطٍ جديٍّ، لأن من يبيعُ موقفَهُ مرةً لا يجدُ حرجاً في إعادةِ بيعِه. السعوديُّ لا يحتاجُ إلى عقدٍ ليغارَ على وطنِه، و لا إلى شريانِ عطاءٍ ليقفَ في وجهِ المعتدي، لأنه يرى في أيِّ مساسٍ بالسيادةِ مساساً بكرامتِه الشخصيةِ، و في أيِّ اختراقٍ للقرارِ اختراقاً لبيتِه و هويتِه، و حين يكونُ الدفاعُ دفاعاً عن البيتِ لا عن الواجهةِ، لا يعودُ قابلاً للاستيرادِ أو الإيجارِ .. بل يصبحُ التزاماً متجدداً يتقدمُ على أيِّ حسابٍ مصلحيٍّ عابر. البعدُ التاريخيُّ ليسَ خلفيةً تزيينيةً في هذه المعادلةِ، بل هو ركيزةُ الفهمِ ذاتها، فالدولةُ السعوديةُ لم تكن وليدةَ استعمارٍ رسمَ حدودَها على طاولةٍ مستديرةٍ في كواليسَ دوليةٍ، و لم تكن نتاجَ قرارٍ أمميٍّ منحها شرعيةً ورقيةً، و لم تُولدْ من صفقةٍ خارجيةٍ تُدارُ من خلفِ الستارِ، بل تشكَّلتْ عبرَ مسارٍ طويلٍ من التلاحمِ بين القيادةِ و الناسِ، و عبرَ اختباراتٍ عسكريةٍ و سياسيةٍ و وجوديةٍ أثبتَ فيها المجتمعُ أنه أصلُ المعادلةِ لا هامشُها .. بل شريكُها في القرارِ و المصير. جميعُ الأمثلةِ على أرضِ الواقعِ تؤكدُ أن من يراهنُ على المرتزقةِ يدخلُ مفاصلَ القرارِ في تشابكٍ مصلحيٍّ قابلٍ للابتزازِ، و يضعُ السيادةَ تحت ظلِّ شبكةِ نفوذٍ قد تنقلبُ عند أولِ صدامٍ حقيقيٍّ، أما من يراهنُ على شعبِه فيراهنُ على ثباتٍ لا يتغيرُ بتغيرِ التمويلِ، و لا يُعادُ تعريفُهُ تحت ضغطِ الصفقاتِ .. لأن الرابطَ هنا عقديٌّ لا تعاقديٌّ، و لأن الانتماءَ ليس بنداً في عقدٍ بل جزءاً من تعريفِ الهوية. السعوديةُ لا تحتاجُ إلى من يصرخُ باسمِها بأجرٍ، لأنها تملكُ ما هو أثبتُ من أيِّ شبكةِ نفوذٍ مأجورةٍ، تملكُ أبناءً و بناتٍ يعتبرونَ أنفسهم خطَّ الدفاعِ الأولَ و الأخيرَ في جميعِ المجالاتِ، و يرونَ في السيادةِ عقيدةً لا شعاراً، و في لحظةِ الاختبارِ لا ينتظرونَ مقابلاً .. بل يتحركونَ اقتناعاً. السعوديةُ لا تُحمى بصفقةٍ .. بل تُحمى بإيمانِ شعبٍ عظيم.