عن صلابة الحجارة و رقة القلوب..

الجبال و الأجداد و بناء النفوس التي لا تنحني.

الصلابة لا تعني دائماً القسوة و الغلظة، كما أن اللين ليس دائماً ضعفاً و عجزاً. الحجارة التي نراها في الجبال و باختلاف أنواعها و ألوانها و أحجامها، ليست كتلاً صلبة و قاسية منذ بدايتها، بل هي حصيلة آلاف السنين من عمليات الضغط و التحول و التشكل. تماماً كما هو حال الروح البشرية التي تتسم بالصلابة النفسية، و التي لم تكن صلابتها يوماً وليدة الراحة، بل هي نتاج التجارب التي صقلتها، و العواصف التي مرت بها، و المواقف التي نحتتها. جميع هذه الظروف لم تمر على الروح مرور العابرين، بل صنعت فيها ملامح جديدة و آثاراً لا تمحى، كتلك التي صنعتها الرياح في الجبال. هذه الملامح الجديدة تشكلت على هيئة سمات جسدية و نفسية، تراها في قسمات الوجه و خصال الروح. يحمل المرء هذه السمات معه بكل فخر كوسام شرف مخفي، معلناً انتصار جذوره رغم ثقل المواقف، و رسوخ مبادئه تحت وطأة العواصف. الجبال في القرآن الكريم و السنة النبوية الجبال دعائم تحفظ توازن الأرض و معالم تبث في الروح العديد من التساؤلات، لكنها ليست موضع حديث أدبي أو علمي فقط، و لم تكن يوماً مجرد تضاريس طبيعية تدركها الأعين، بل وردت في القرآن الكريم في عدة آيات ألقت الضوء على معاني صلابة الجبال و ثباتها. قال الله سبحانه و تعالى في محكم آياته: {وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ}، {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً. وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}، {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}. آيات يظهر فيها الارتباط العميق المتأصل ما بين الجبال و المعاني العميقة للصمود و الرسوخ التي لابد أن يستلهم منها الإنسان عدة دروس، على رأسها أهمية أن يؤمن بقيمة ثباته الداخلي، و صلابته النفسية التي لا تتعارض مع المرونة، و مواجهته للتحديات دون أن ينكسر و يتفتت. أما رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقد أحب التجوال في الطبيعة و التأمل في جمال خلق الله سبحانه و تعالى و التفكر في عظمة الكون. كان يخرج صلى الله عليه و سلم ليجد السكينة و الطمأنينة في الطبيعة، فمر بالبساتين و الأودية و الأنهار، و توقف عند الأشجار و تأمل الجبال. كما كان يدعو صلى الله عليه و سلم أصحابه إلى القيام بالأمور ذاتها، ليوقنوا عظمة الخالق جل جلاله. لقد كان الرسول صلى الله عليه و سلم أسوة حسنة لكل البشرية، و قدوة في جميع جوانب الحياة، بما في ذلك تأمله في خلق الله أجمع. بين صلابة الصخور و لين القلوب الصخور تبدو في ظاهرها صلبة شديدة، و تعد رمزاً للصمود في وجه أشد الظروف و أقساها من رياح و عواصف، لكن هذه الصلابة ليست متجانسة من الداخل، فالصخور تحمل في داخلها طبقات تشكلت فوق طبقات أخرى، بالإضافة إلى كميات متراكمة من المعادن، و آثاراً لعمليات التحول التي مرت بها عبر الأزمنة في مساماتها الصغيرة و شقوقها الدقيقة. فقد تظهر فجوة بسبب تسلل المياه عبر السنين، و قد يظهر خدشاً نحتته الرياح، و قد تتغير حالة هذه الصخور تبعاً للعوامل البيئية. لذا، فكل انكسار في هذه الصخور عبارة عن شهادة مرور لمزن انقضى و لم ينقض أثره. أما بالنسبة للقلوب، فهي لا تختلف كثيراً عن الجبال ما إن تمت مقارنتها بها باستخدام المفهوم ذاته. فالقلوب قد تكون صلبة من الخارج، لكنها تحمل في طياتها العدد الهائل من التجارب و الذكريات و المشاعر. لحظات الفرح و لحظات الحزن التي تمر بها النفس البشرية لا محالة تترك في القلوب آثاراً و علامات مشابهة لتلك التشكلات و الخدوش و الفجوات التي تحدثها المياه و الرياح في الصخور و الجبال. الصلابة الخارجية لا يتنافى معناها مع تواجد حياة مليئة بالتعقيدات و الحساسيات الداخلية، و كما أن الصخور تتشكل على مر السنين بفعل العوامل البيئية، فإن القلوب تنضج كذلك و تتخذ أشكالاً جديدة بفعل الاحتكاك بالحياة. الخطاب القرآني يذكرنا و يؤكد لنا بأن الصلابة الخارجية لا تعني عدم وجود عطاء من الداخل، حيث قال جل جلاله: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. الآثار المترتبة على التواجد في المحيطات الجبلية الأبعاد النفسية و الصحية المترتبة على التواجد في المحيطات الجبلية مدرسة في حد ذاتها، مدرسة تلقن مرتاديها أهمية الصمت و التأمل في عظمة صنع الخالق. عدة دراسات في علم النفس البيئي أثبتت النتائج الإيجابية لتواجد الإنسان في المحيطات الطبيعية بما فيها الجبال و المناظر الشاسعة و المرتفعات. من هذه الفوائد تعزيز الشعور بالهدوء، و تجديد الانتباه الذهني، و تعزيز التفكير الإبداعي، و تحسين المزاج، و انخفاض نسبة هرمون التوتر. جميع هذه الآثار النفسية و الجسدية ليست مجرد وهم أو صدفة، بل هي نتيجة الاتصال المباشر الحاصل ما بين النفس البشرية و الطبيعة من حولها، فالنفس البشرية متعطشة دوماً لاتصال حقيقي و تفاعل واقعي، يعيد إليها قدرتها و رغبتها في الاستمرار و عيش الحياة بنمط متوازن و ثابت و مستقر، تماماً كما تثبت هذه الجبال بلا انحناء. فالإنسان يجد نفسه في أصفى حالاتها ما إن تواجد في وسط أبهى المناظر الخلابة التي تصنعها الجبال و محيطاتها، حيث يلتقي الهواء النقي بالأصوات الخافتة، سواء ذهب برفقة نفسه مبحراً في تأملاته وحيداً بعيداً عن كل الضوضاء، أو برفقة صحبة اختارها بعناية شديدة من أناس أرادوا أن يعيشوا بكل صدق مدركين قيمة هذه النعم القيمة المحيطة بهم على هيئة جبال تدعوهم إلى خوض رحلة نادرة على قممها، سلسة كانت هذه الرحلة أو عصيبة، تتحول خطواتهم فيها إلى تجارب ذاتية و دروس عظيمة في مفاهيم الاستقرار و الصبر و الصمود. آثار أقدام الأجداد على سفوح الجبال لم تكن الجبال مجرد مناظر طبيعية أومحطات لرحلات خاطفة في زمن الأجداد، بل كانت موطناَ حقيقياً لهم، سكنوها و صنعوا فيها أجمل ذكرياتهم. فقد وجدوا في هذه الجبال الملاذ الآمن و السكينة و الهدوء، و هي أمور اهتم به الأجداد اهتماماً عالياً. أحبوا هذه التضاريس و أحبتهم، فاحتضنتهم الجبال رغم قسوتها بكل حنان، كما علمتهم الصلابة و الصبر في الوقت ذاته. الأجداد لم يختاروا أي جانب من جوانب حياتهم عبثاً، بل كانت جميع اختياراتهم عبارة عن قرارات مدروسة، و هو الحال عند اختيارهم العيش بين المرتفعات و زيارتها. فقد وجدوا بأن هذه التضاريس التي قد تبدو قاسية في ظاهرها، تحمل في جعبتها كل ما تتطلبه المعيشة من موارد للحياة و أماكن للصيد و فرصة على مدار اليوم للقيام بالعبادة القلبية العظيمة المتمثلة بالتأمل في إبداع صنع الله. و في هذا السياق، لا يسعني إلا أن أستذكر و أشيد بجدي الرحالة الإنجليزي الشهير هاري فيلبي (الحاج عبدالله فلبي رحمه الله) كرمز حي لرجل صلب ذو روح صلبة عشقت الطبيعة و الجبال و المغامرة، رجل لم يؤمن بالخوف و لا بالمستحيل. وجد في الطبيعة و الجبال ما عشقته روحه من تقدير للتنظيم وفرصة لترتيب الأفكار و الضبط الداخلي. خاض كل رحلة بكل شجاعة و صبر، كما احترم الطبيعة احتراماً شديداَ و حرص على تدوين أدق تفاصيلها. أورث عبدالله فلبي رحمه الله دروساً و كنوزاً نادرة و قيمة لا تقدر بثمن، كما أورث موسوعة عظيمة و مكتبة حية تتواجد فيها أبسط بل أعظم التفاصيل عن رحلاته التي قضاها في الصحاري و الجبال، فارتفاعات الجبال و التلال مذكورة بدقة لا تضاهى، و درجات الحرارة نهاراً و ليلاً مسجلة بعناية، و اتجاه الرياح مسطور، و وصفه للأصوات مدون بشكل يجعلني أشعر و كأنني أسير معه على تلك القمم و السفوح قبل حوالي مئة عام. عاش بعض الأجداد بين المرتفعات الشامخة، و البعض زارها، و البعض الآخر درسها، لكنهم جميعاً تعلموا منها أسمى الأخلاق على شكل دروس خالدة في الذاكرة تم توريثها للأجيال التالية، فنصحوا من أتوا بعدهم بأن يتحلوا بأنفس راسخة صبورة، تستمد قوتها من داخلها، فلا تنكسر و لا تهان. صحيح بأن آثار أقدام الأجداد على السفوح ليست آثاراً مرئية، لكنها عبارة عن إرث من الصلابة الروحية التي امتزجت بالمرونة النفسية، و مخزون من القوة التي أخذت بيد اللين و أورثته للأجيال التي تلت بكل محبة، لتبقى دروساً ثابتة على مر الأزمنة.