الامتناع بوصفه امتلاء:

عن شهرٍ يتبدّل فيه معنى الجوع في الكتابة العربية.

في الكتابة العربية، الجوع ليس علامة على النقص دائمًا، بل في الكثير من الكتابات كان دلالة بحثٍ عن نقاء لا تمنحه الوفرة. بحث عن معنى لا يولّده الامتلاء المادي، بل هو ثمرة لحظة التخفّف. شهرٌ في العام يتغيّر فيه إيقاع الحياة، ويتبدّل معنى الامتناع والتخفّف، فيتحوّل الكفّ عن الطعام إلى تمرين على إعادة ترتيب الأولويات. وفي هذه النقطة الجوهرية يلتقي الأدب بالصيام؛ كلاهما فعل اختيار يقوم على الاقتصاد، على حذف الزائد، وعلى ترك مسافة صامتة تتيح للمعنى أن يظهر. في كتابات مصطفى صادق الرافعي تبدو اللغة نفسها كأنها تصوم؛ تتخفّف من الترهل، وتميل إلى وقار يشبه حال الصائم. العبارة ليست زخرفًا بل تهذيبًا، وكأن الكلمة حين تقلّ، تصدق. أما أحمد أمين فقد التقط البعد الأخلاقي لهذه التجربة؛ إذ رأى في الامتناع لحظة مراجعة، فرصة لإعادة النظر في العلاقة بين الإنسان ونزواته اليومية. الجوع هنا ليس حدثًا جسديًا عابرًا، بل سؤالًا عن القدرة على ضبط النفس. وفي السرد الروائي لدى نجيب محفوظ، لا يتوقف العالم في زمن الصوم، لكنه يتباطأ. هذا التباطؤ يمنح الشخصيات فرصة للانكشاف. الصوم لا يجعلها أكثر نقاءً بالضرورة، لكنه يجرّدها من صخبها المعتاد، فتبدو أكثر صدقًا أو أكثر هشاشة. أما في الأفق الصوفي، كما عند جلال الدين الرومي، فيتحوّل الامتناع إلى استعارة للتحرر من أثقال النفس. الجوع ليس حرمانًا، بل خفّة. ليس نقصانًا، بل عبورًا إلى امتلاء من نوع آخر. ومن الملفت في الأدب العربي المعاصر أن الامتناع لم يعد يُقرأ على أنه طقسٌ دينيٌّ فقط، بل على أنه موقفٌ وجوديٌّ. ففي زمننا هذا، زمن السرعة وفرط الاستهلاك، يصبح الصوم فعل مقاومة لسطحية الوفرة. كثير من النصوص الحديثة لا تكتب عن الجوع، بل تكتب عن الحاجة إلى الصمت، إلى العزلة، إلى تقليل الضجيج. وكأن الكتابة نفسها أصبحت صومًا عن الإسراف. فيتبدّل معنى الجوع من فراغ يجب ملؤه إلى مساحة علينا أن نصغي لها. فالإنسان المعاصر، المحاط بسيل من الكلمات والصور، لم يعد بحاجة إلى المزيد منها، بل هو بحاجة إلى ما هو أنقى وأصفى. وهنا بالتحديد تكتسب فكرة الامتناع معناها الأدبي الجديد. فالامتناع في الحقيقة ليس إنكارًا للحياة، بل محاولة للقبض على معناها الصادق قبل أن يتبدّد في الزحام. وحين تتخفّف الروح تتّسع، وإذا قلّ الضجيج نسمع النداء الداخلي بوضوح أكثر. وأكثر ما يدهشني في هذا أن الامتناع يكشف هشاشتنا كما يكشف قوتنا. في الامتناع نرى ما اعتدنا عليه دون أن نعي ذلك الاعتياد، ونكتشف كم من الأشياء التي ظنناها ضروريات ما هي إلا عادات متراكمة. في هذا الشهر الهادئ لا يتغيّر العالم كثيرًا، بل نحن من نتغيّر قليلًا. نصبح أقل اندفاعًا وأكثر إصغاءً، أقل طلبًا وأكثر وعيًا واكتفاءً. ولهذا ظلّ الامتناع في الوعي العربي مرتبطًا بالامتلاء، لأنه يذكّرنا بأن المعنى لا يولد من التراكم بل من الاختيار، وأن الجوع لا يفِرغنا، بل يترك في داخلنا مساحة تتّسع للنور.