رمضان.. ذاكرة تتجدد.
رمضان من الشهور المبهجة للنفس، إضافة لما فيه من روحانية غامرة يشعر بها الإنسان منذ الليلة الأولى التي يسطع فيها هلاله. له طابعه الخاص وخصوصيته التي لا يشبهه فيها شهر آخر، فأجواؤه منعشة للروح، تشعر بها وهي تنشر السكينة في الأرجاء. يقول الشاعر حسين عرب: بُشْرَى العَوَالِمِ أَنْتَ يَا رَمَضَانُ .. هَتَفَتْ بِكَ الأَرْجــاءُ وَالأَكْوَانُ لَكَ فِي السَّمَاءِ كَوَاكِبٌ وَضَّاءَةٌ .. وَلَكَ النُّفُوسُ المُؤْمِنَاتُ مَكَانُ ولا زال الزمان يعيد نفسه حين أتذكر كيف كنا أطفالاً في مثل هذه الأيام؛ نعيش بهجة الشهر على طريقتنا الخاصة داخل الأحياء القديمة، حين كانت تلتئم العائلة على سفرة رمضانية بسيطة يفوح منها الدفء والمحبة. وفي الليل نجتمع مع الأقران تحت ضوء “لمبة” خافتة، نتحلق حول طاولة تنس خشبية نصنعها بأنفسنا إضافة لجملة من الألعاب الشعبية، قبل أن نعرف “الفرفيرة” التي اكتسحت الحارات. وفي تلك الفترة، عرفنا الدورات الرمضانية لكرة القدم التي تقام بين فرق الأحياء المجاورة، رغم أن الملاعب لم تكن كما هي اليوم مزروعة ومضاءة بشكل يغري للعب والركض. أجواء رمضان لا تخطئها العين حتى اليوم، والفعاليات كما ألاحظها تعيد إنتاج الفرح بذات التفاصيل وإن اختلفت الوسائل وتطورت. حين أخرج من منزلي اليوم، أستمتع بمشاهدة عقود الزينة والإضاءة وهي تعانق شوارع المدينة المنورة العامرة بالناس وغيرها من المناطق، ولا تزال “الفرفيرة” سيدة المشهد في زوايا الحارات، فيما تنتشر عربات “البليلة” وبعض الأكلات الرمضانية الشعبية. وقد زاد على تلك المشاهد الرمضانية دخول الجوال ومنصات التواصل الاجتماعي، وبروز الدعاية لتلك العربات الصغيرة، مصحوبة ببعض الأهازيج الحديثة. وإلى جانب تلك المشاهد البسيطة، تنتشر المقاهي الحديثة التي لها روادها، وتتفنن في تقديم نفسها بطابع رمضاني من خلال الإضاءة المبتكرة واللوحات التي تزدان بالفوانيس والدلالات الرمزية للشهر الكريم. إلى جانب كل تلك الملامح الاجتماعية، يعد شهر رمضان فرصة ذهبية يعيد فيها الإنسان توازنه الغذائي والروحي من خلال الصيام، والصبر عن الماء والأكل لساعات ليست بالقصيرة؛ والسكينة عبر تلاوة القرآن الكريم، ففي الصوم مدرسة لتهذيب النفوس. قيل الكثير في شهر الخير، وتبرز كلمات أغنية “رمضان جانا” الشهيرة التي أداها الفنان محمد عبد المطلب: رمضان جانا وفرحنا به .. بعد غيابه وبقاله زمان غنوا وقولوا شهر بطوله .. غنوا وقولوا أهلاً رمضان