يقدّم ديوان «معارج: القرآن في ضمير الشعراء» تجربة شعرية تنطلق من استدعاء القرآن منبعًا وجدانيًا وجماليًا، وقد جاءت هذه التجربة بدعوة ثقافية ملهمة من الشاعر السيد هاشم الشخص أبي ياسر هدفت إلى تحريك القرائح الشعرية في الوطن العربي، واستنهاض طاقتها الإبداعية، وقد ضمّ الديوان سبعين قصيدة لثمانية وخمسين شاعرًا وشاعرة، تنوّعت بين الفصيح والإنشادي والشعبي، بما يعكس تعدُّد طرائق التلقي للقرآن. يتناول هذا المقال انتقال القرآن في التجربة الشعرية من مقام النصّ المستشهد به إلى قوة دلالية تنفتح على أفق جامع للطمأنينة والخوف والرجاء والانتماء وتمّ اختيار مجموعة من النماذج الشعرية، بما يكشف تنوّع الاستقبال الداخلي للنصّ القرآني داخل التجربة الشعرية، قُسِّمت وفق أنماط التجلّي الوجداني للقرآن على النحو الآتي: *إشراق عند التجلّي الروحي لدى إبراهيم أبو شفيع *طمأنينة عند الانكسار لدى أحمد عرابي الأحمد *خيال خلاّق يعيد تشكيل اللغة لدى أحمد العلوي *وعي مؤثّر لا تميمة شكلية لدى جاسم الصحيح *القرآن ميزان الرحمة والعدل لدى جاسم عساكر *مسؤولية أخلاقية في مواجهة الهجر لدى عبد المجيد الموسوي *ذاكرة أمان متوارثة لدى علي عبد المجيد النمر *حضور حسّي متدفّق لدى علي مكي الشيخ *حضن وجداني وجمال مطلق لدى ياسر الغريب يؤدّي هذا التعدّد إلى تعميق المحور، إذ يظلُّ المرجع واحدًا، بينما تتنوّع مناطق التفاعل الوجداني معه، فيتحوّل القرآن من مركز دلالي ثابت إلى طيف شعوري واسع، تتكشّف من خلاله إمكانات النصّ في مخاطبة الإنسان عبر حالاتٍ نفسيةٍ وتجارب وجودية متعدِّدة. يستهلُّ إبراهيم بوشفيع تجربته بتصوير القرآن عطرًا يملأ المحراب، حيث تتكثّف الحواس وتتعالى الروح مع الترتيل: آيَاتُ قُدْسِكَ عَطَّرَتْ مِحْرَابِي فَتَزَاحَمَ الجُورِيُّ فِي أَعْتَابِي وَتَصَاعَدَ التَّرْتِيـــــلُ حَتّــــــَى خِلتُنِي أَسْمُو بِهِ لِلنُّورِ فَوْقَ سَحَابِ يقدّم الشاعر هنا القرآن تجربة حسّية/روحية مركّبة فالعطر رمز الامتلاء، والمحراب فضاء التجلّي، والصعود تحرَّر من الأرضي إلى النوراني وهكذا تتحوّل التلاوة من مجرّد أداء صوتي إلى حركة ارتقاء داخلي. ويتابع أحمد عرابي تصوير الضمير الوجداني في لحظة المحنة، حيث يصبح القرآن ملاذًا أخيرًا للطمأنينة: إِذَا مَا الضُّرُّ مَسَّكَ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ تَرَ مِنْ دَوَاءٍ بَاتَ يُجْدِي وَخَيَّبَ ظَنَّكَ الأَصْحَابُ طَرًّا وَقُلْتَ أَظُنُّنِي فِي الكَوْنِ وَحْدِي! تَذَكَّرْ أَنَّ فِي القُرْآنِ سِّرًّا يُزِيلُ الهَمَّ حِينَ الهَمُّ يَرُدِّي يصف الشاعر القرآن في هذه الأبيات بأنه سرٌّ عظيمٌ يستعاد في لحظة الانقطاع بعيدًا عن الخطاب الوعظي يعيد للذات توازنها، ويمنحها أفق الأمل وسط العزلة والخذلان وينقل أحمد العلوي التجربة إلى مستوى جمالي أعمق، حيث يشعشع القرآن في اللغة ذاتها، فيمتدّ أثره إلى مخيلة الشاعر وطاقته الإبداعية: حَتَّى إِذَا شَعْشَعَ القُرْآنُ فِي لُغَتِي وَبَثَّ فِيهَا مَجَازًا يَخْطَفُ البَصْرَا أَبْصَرْتُ قَارُورَةَ الأَحْلَامِ تُفْتَحُ لِي وَتَنْثُرُ الدُّرَّ وَالمَرْجَانَ وَالجُزُرَا أَرْسُو عَلَى مَوْجَةِ التَّرْتِيلِ يَحْمِلُنِي صَوْتٌ يُغَرِّدُ فِي أَسْمَاعِيَ السُّورَا يحتفي النص هنا بتجلي القرآن داخل اللغة ليعيد شحن المخيلة فـ(شعشع القرآن في لغتي) يمثِّلُ لقاءً بين النصّ القرآني واللغة الذاتية للشاعر بالإضافة إلى تدفق ألفاظه داخل الإيقاع الصوتي حيث يتلاقى فيه المعنى القرآني مع فضاءات المجاز التي تسمح للمتخيّل بالتحوّل والتجدد وتجاوز حدود التلقّي السطحي إلى عوالم إبداعية. وينتقل جاسم الصحيح إلى قراءة نقدية تتخطى الزخارف الشكلية لتدفع النص إلى عمق الوعي والسلوك: لَمْ يَحْمِلُوكَ عَلَى الصُّدُورِ مَبَادِئًا حَمَلُوكَ أَحْرَازًا عَلَى الأَجِيَادِ أَمَّا أَنَا، فَأَرَاكَ عَبْرَ تَأَمُّلِي تَمْتَدُّ مَوْسِمَ فِكْرَةٍ وَحَصَادِ فِي كُلِّ “جُزْءٍ” مِنْكَ قَارِبُ رَحْمَةٍ يَسْرِي بِبَحْرِ هِدَايَةٍ وَرِشَادِ حُرِّيَّةٌ رَسَمَ الإِلَهُ دُرُوبَهَا لِلْمُثَقَلِينَ بِلَعْنَةِ الأَصْفَادِ يقدِّم الشاعر رفضًا صريحًا للاختزال السطحي للنصّ القرآني إلى رموز أو طقوس تُعلّق دون وعي فالقرآن في هذا السياق يحفِّزُ المرء على التأمُّل ويخلق وعيًا جديدًا يتسرب تدريجيًا إلى الداخل الإنساني ويظهر ذلك في الانتقال من حمل أحراز على الأجياد إلى سير الرحمة في بحر الهداية وهو انتقال من الشكل إلى الروحانية الأخلاقية التي تعيد ترتيب الوعي ويتجه جاسم عساكر إلى تأمُّل قرآني يوازن بين أبعاد الرحمة والمساءلة الوجودية: وَطَرَقْتُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ فَلَمْ أَتِهْ وَمَعَارِجَي الأَجْزَاءِ وَالأَحْزَابُ فَإِذَا مَرَرْتُ عَلَى النَّعِيمِ أَقُولُ لِي: مَا فِي المَهَيْمِنِ نِقْمَةٌ وَعَذَابُ! وَإِذَا مَرَرْتُ عَلَى الجَحِيمِ أَقُولُ لِي: كُلُّ المَهَيْمِنِ رَحْمَةٌ وَثَوَابُ! أَيَطُولُ بِي (يَوْمُ الحِسَابِ)؟ أَعِيذُهُ بِكَ أَنْ يَطُولَ بِمَنْ تَلَاكَ حِسَابُ يضع النص القرآن في موقع الميزان الوجداني، حيث تتفاعل الرحمة والعذاب في نص واحد يربط بين الرهبة والرجاء تكشف القراءة القرآنية الوجدانية عن مساحة توزان داخلية، تتجاوز الانحياز لأي قطب ويمثّل عبد المجيد الموسوي موقفًا نقديًا حادًا من الهجر القرآني، حيث يتحوّل من مسألة فردية إلى أزمة متفشية في المجتمع: يَا هَاجِرِيهِ، يَعِيشُ غُرْبَةَ هِجْرِهِ لَا تَتْرُكُوهُ يَئِنُّ فِي مِنْفَاهُ فَلْتَنْفُضُوا عَنْهُ الجَفَاءَ لِتَتَّقُوا يَوْمًا يَضُجُّ الخَلْقُ مِنْ شَكْوَاهُ يتجاوز الهجر غياب التلاوة إلى غياب تفعيل أثر القرآن في الوعي والسلوك الجماعي، فتتحوّل استعادته إلى مسؤولية أخلاقية واجتماعية تستنهض الضمير لمواجهة القسوة والإهمال، ويظل القرآن حاضرًا حيًّا في الحياة عبر الفعل الواعي والتفاعل المستمر. ويرسم علي النمر صورة أخرى للقرآن حين يتسلّل إلى عمق الذاكرة العائلية، فيتحوّل الذكر إلى فعل أمان شخصي: كَأَنَّنِي عِنْدَمَا أَرْنُو لِـ(فَاتِحَةٍ) أَفْتِّحُ المَغْلَقَ القَاسِي بِفَاتِحَتِي أَقُولُ: كَانَ أَبِي إِنْ مَسَّهُ قَلَقٌ يَمْدُدْ إِلَى اللهِ أَسْبَابًا بِبَسْمَلَةِ وَهَا أَنَا كُلَّمَا أَلْوَى عَلَيَّ غَدٌ أَمُدُّ ذَاتَ حُرُوفِ الذِّكْرِ، يَا أَبَتِي يصبح القرآن هنا صلصالًا وجدانيًا يُشكِّل الطمأنينة عبر ذاكرة أُسرية، فتتحوّل الحروف إلى ملاجئ نفسية تُقوّي الذات في مواجهة المستقبل، وتعيد نسج علاقة الإنسان بأمانه الداخلي. ويضيف علي مكي الشيخ بعدًا حركيًا وجدانيًا يحيل القرآن من نصٍّ إلى شعور ملموس: نَهْفُو إِلَيْكَ وَنَسْتَزِيدُ ضِرَاما وَعَلَى شَفَاهِكَ نَخْلَعُ الآثَامَا نَظْما، وَنُرْوَى مِنْ لَهِيبِ صَبَابَةٍ وَإِذَا بِصَوْتِكَ يُشْعِلُ الأَنْغَامَا وَتَشَجَّرَتْ كُلُّ الحُرُوفِ بِثَغْرِنَا فَإِذَا المَلَائِكُ صُيِّرَتْ أَنْسَاما يجعل الشاعر القرآن خطابًا حسّيًا متدفّقًا يلامس كل حاسة، فيتحوّل الذكر إلى تدفق وجداني حيّ يعكس التفاعل الحسي بين الذات والنص، علاقة تتجلى بالإحساس والتجاوب بالإضافة لاستيعاب المعنى . ويختتم ياسر الغريب المحور بصورته العاطفية للجمال القرآني، حيث تتداخل الحواس والوجدان في علاقة حميمة مع الآيات: بِالثَّغْرِ وَالقَلْبِ أَمْطَرْنَاكَ تَقْبِيلا وَبِالجَوَارِحِ رَتَّلْنَاكَ تَرْتِيلا لَكَ انْتَمَيْنَا فَكَانَ الحُبُّ صِبْغَتَنَا عَلَى الجَمَالِ يَظَلُّ الوَرْدُ مُجَبُّولا فِي كُلِّ آيَاتِكَ الحُسْنَى لَنَا وَطَنٌ يَبْنِيهِ رَبُّ الضُّحَى لَوْنًا وَتَشْكِيلا لَمْ نَعْرِفِ الكَوْنَ إِلَّا مِنْ تِلَاوَتِنَا فَاسْلُكْ بِنَا العِشْقَ عَرْضًا كَانَ أَوْ طُولا يصبح القرآن هنا مساحة يستقر فيها الحب والمعنى والجمال، فتتوحد التجربة الشعورية مع الكون بأسره، وتتجلّى العلاقة بين الإنسان والنصّ في انسجام كامل بين الوجدان والخيال والجمال يبرز ديوان (معارج) قوة وجدانية متعددة المستويات: نور يضيء القلب، سر يتغلغل في الذات، خيال يوزّع الجمال، ميزان يوازن الرحمة والعدل، ذاكرة تمنح الأمان، ووطن داخلي يعيد تشكيل الوجود. هذه الأصوات المتعددة تجعل القرآن تجربة شعورية تُنقّب في وجدان الإنسان، تعيد تشكيل علاقته بذاته وبالآخر والكون.