كوخ العم توم..

الرواية التي غيرت مسار التاريخ!

حينما قرأت رواية كوخ العم توم كان أكثر ما أثر بي وأشجاني هو أمنية ظلّ العم توم يحلم بها وتراوده طوال صفحات الرواية ومرور الأحداث، وكان أمله بتحقق هذه الأمنية هي ما يحمله على التجلد والصبر في وجه الوحشية والجوع والفظاعة التي عاش فيها متنقلًا من يد سيد إلى سيد آخر، العم توم كان مفتول العضلات قوي البنية، على الأقل قبل أن يهده العمل المتواصل ليل نهار دون رحمة، وكانت أمنيته البسيطة أن تصبح هذه العضلات وهذه القوة وهذان الساعدان في خدمة أسرته، أن يكون حرًا في مساعدتهم، أن يسعى في قضاء حوائج زوجه وطفله بنفسه دون أن يذبل ويذوي ويهرم في خدمة أسياد لا ترحم! كوخ العم توم الرواية التي أشعلت فتيل الحرب الأهلية الأمريكية، وأنبتتْ للمرة الأولى منذ مئات السنين لسود البشرة صوتًا حرًا شقّ الفجر يصرخ باسمهم، وحققت الرواية منذ صدورها مبيعات هائلة، حيث بيعت مليون نسخة في بريطانيا وحدها واشتعلت الرواية شهرةً في الولايات الأمريكية أيضًا حتى أطلق عليها اسم «الرواية الأكثر شعبية في أيامنا» وكان الكتاب الوحيد الذي فاقها مبيعًا آنذاك هو الكتاب المقدس! وقد مازح أبراهام لينكولن كاتبته الأمريكية هيرييت ستو في البيت الأبيض بهذا الشأن قائلًا: «إذًا هذه السيدة الصغيرة هي المسؤولة عن هذه الحرب الكبيرة». صدرت الرواية لكاتبتها هيرييت ستو عام 1852، وهيرييت كانت بيضاء البشرة لكنها عاشت ورأت وقرأت وقابلت العديد من المضطهدين من العبيد وأدمتها قصصهم وأحرقتها عبراتهم ومسّتها ثورتهم ونفوسهم التي تتلوى تحت نيران الظلم فانطلق قلمها من عقاله لا يخترع ولا يبدع ولا يكتب، لا بل ينزف فقط .. ويحكي! ستو ما كانت سوى ناقلة لعشرات الحكايات التي أخذتها عن ألسنة العديد، ولو قرأتَ ما في الرواية من حرقة وقهر لذهلت أن وُجدت هكذا قسوة وهكذا مظلمات وهكذا فكرٌ في يوم من الأيام! تدور الرواية حول العم توم وقصته في كفاحه نحو الحرية التي طالما اشتهاها ومني بها وكان قريبًا للغاية من الظفر بها قبل أن توافي المنية سيده الرحيم وينتقل بعدها في رحلة معاناة لا تنتهي، وحول هذه القصص تغزل الكاتبة قصصًا أخرى تفوح منها ذات الرائحة من الظلم والتفريق بين الابنة وأمها والاعتداءات التي كانت تطال النساء من سود البشرة، وكانت إحدى السيدات من بيض البشرة تؤمن بالعدل والمساواة وحينما تحاول إقناع أختها بضرورة إحياء شيء من العدل في تعاملها بين الطفلة الصغيرة الأمة وبين ابنتها كانت هذه تطالعها في ذعر وتهتف «كيف تقترحين أن ذات القلب وذات الدماء تجري في عروقنا؟! لاشك أن قلبها الأسود يختلف بالكلية عن قلب طفلتي الرقيقة»! الرواية بالطبع كانت مستلهمة من قصة حقيقية، والعم توم كان هو العبد جوسايا هينسون، حيث عمل في مزرعة تبغ لسيد أمريكي ثري قبل أن ينجو من العبودية ويفرّ إلى كندا ويساعد المزيد من أشقائه على الفرار والاستقرار بعيدًا عن أيدي طغاتهم، لهذا الرواية مملوءة بصور العقاب الفظيع الذي يطال أي عبد يفكر بالفرار ولا فرق في ذلك بين امرأة أو رجل، طفل أو بالغ، بيد أن نهاية العم توم تختلف عن النهاية السعيدة لهينسون حيث تأبى الكاتبة إلا أن تُبكيك على الرجل العجوز الأسود وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وينال أخيرًا الحرية التي طالما تاق إليها عند ربٍ رحيم عادل، وهي نهاية وقعتْ للآلاف مثله على مدار سنوات عديدة تترا. الرواية تحققت بالفعل واقعًا بين الناس وقبل أن يستلهمها عشرات الفنانين في أعمالهم عبر السنوات صارت تاريخًا مسجلًا يُحكى.