تهميش وسطاء العقار.

لا شك أن القطاع العقاري في المملكة شهد نقلة تنظيمية لافتة خلال السنوات الأخيرة، وكان إطلاق منصة إيجار خطوة مفصلية في توثيق العقود ورفع مستوى الشفافية، ضمن منظومة تشرف عليها الهيئة العامة للعقار، الأمر الذي أسهم في ضبط العلاقة الإيجارية وتقنينها إلكترونياً بما يواكب التحول الرقمي الذي تعيشه البلاد. إلا أن التطوير التقني - مهما بلغت دقته - لا ينبغي أن يتحول إلى بديل كامل عن الدور المهني للوسيط العقاري النظامي، ذلك أن العلاقة الإيجارية في جوهرها ليست مجرد بيانات تُجدد بضغطة زر، بل واقع ميداني تتغير معطياته من حين إلى آخر. إتاحة تجديد بعض العقود إلكترونياً بصورة تلقائية قد يبدو في ظاهره تعزيزاً للاستقرار، لكنه في التطبيق العملي كشف عن إشكالات لم تكن بالحسبان؛ فقد جُددت عقود رغم انتقال ملكية بعض العقارات إلى ملاك جدد، وجُددت أخرى رغم أن مستأجرين أخلوا وحداتهم فعلياً وانتقلوا إلى مواقع أخرى، فوجد المالك الجديد نفسه طرفاً في عقد لم يبرمه، ووجدت المنصة نفسها أمام طلبات إلغاء متكررة بسبب تعارض النص الإلكتروني مع الواقع الفعلي. هذه الفجوة لا تعني خللاً في أصل النظام، بل في تجاوز الحلقة المهنية التي تملك المعرفة المباشرة بحال العقار وبقاء المستأجر من عدمه. وقد صدر نظام الوساطة العقارية بالمرسوم الملكي رقم (م/130) بتاريخ 30 / 11 / 1443هـ، مؤكداً أن استحقاق العمولة يكون بموجب عقد وساطة مستقل، وهو ما أعلنت عنه المنصة بعد إزالة خانة “عمولة مكتب الوساطة” من مسار إبرام العقد الإلكتروني، والتنويه بأن المرجع في استحقاق السعي هو عقد الوساطة بين أطرافه. إلا أن الإشكال العملي يكمن في أن العقد الإيجاري - بعد حذف خانة العمولة - لم يعد يحدد مقدارها ولا الطرف الملزم بسدادها، ما يفتح باباً لاجتهادات ونزاعات كان النظام في غنى عنها لو بقيت الصورة متكاملة بين العقدين. الأغرب أن القطاع ما زال يُلزم الوسيط بالتأهيل والترخيص عبر المعهد العقاري السعودي، ويدفع رسوماً مهنية ورقابية متعددة، في حين يُنتزع منه في المقابل جوهر دوره عند مرحلة التجديد، وكأن المطلوب منه الحضور الشكلي لا المهني. الوسيط العقاري ليس وسيط توقيع فحسب، بل شاهد حالة، ومتابع انتقال ملكية، ومتحقق من رغبة الطرفين في الاستمرار أو الإنهاء، وإقصاء هذا الدور من عملية التجديد يخلق فجوة بين النص النظامي والحالة الواقعية. إن استقرار السوق لا يتحقق بتغليب التقنية على الخبرة الميدانية، بل بدمجهما دون أن تُلغى إحداهما الأخرى. وإذا كان الهدف هو حماية المؤجر والمستأجر معاً، فإن حصر صلاحية تجديد العقود عبر المنشآت العقارية المعتمدة هو المسار الأكثر اتساقاً مع روح التنظيم، لأن الوسيط النظامي هو الأقدر على التحقق من استمرار العلاقة الإيجارية فعلاً قبل تثبيتها رقمياً. التقنية أداة، لكنها لا ترى ما يراه من يقف على أرض العقار، وحين يُهمش هذا الدور، تتولد الفوضى التي يدفع ثمنها جميع الأطراف.