لغتنا .. وجه حضارتنا.
يجيء إقرار السياسة الوطنية للغة العربية تزامناً مع يوم التأسيس تأكيداً على مركزية المملكة العربية السعودية وتفرّدها برعاية اللغة العربية باعتبارها الموطن الأول والأقدم لهذه اللغة الخالدة. ويُعد هذا القرار قراراً جوهريّاً واستراتيجياً فريداً لما للغة الأم (لغتنا العربية) من أبعاد على حاضر هذا الوطن المضيء ومستقبله ولعلي أوجزها بعدة نقاط: ١/ بُعد حضاري : إننا نبرهن على أننا منبع لغةٍ قديمة وممتدة وعريقة ، لنا إرثٌ ثقافي وفكري راسخ وشامخ ولدينا منظومة إنسانية واجتماعية ضامنة لاستمرارية البناء والعطاء والامتداد، إننا أهلُ حضارةٍ وثقافةٍ وفكرٍ وفنٍ قديمٍ أصيل ، نمتدُّ عالياً برسوخٍ فلا نميل. ٢/ بُعد سياسي: الاعتزاز باللغة القومية الوطنية لأي بلد، وتعزيز تداولها واستخدامها في المحافل الداخلية والدولية هو انتصارٌ ثقافيٌّ بامتياز، انتصارٌ لتاريخ و وجود وكيان وحضارة وثقافة واقتصاد هذا الإنسان وتأكيدٌ على فرادة وعراقة هذه اللغة وإنسانها، ولعلنا نتذكر نظرية هانتنغتون (صراع الحضارات) وإشارته إلى أن تدافع القوى دافعها الخفي هو ثقافي لفرض ثقافة معينة لكنه يتمظهر بتمظهرات اقتصادية، لذا جاء هذا القرار العبقري تأكيداً على سيادة الثقافة العربية السعودية بكل تمظهراتها الاقتصادية والاجتماعية. ٣/ بُعد ذهني : ارتباط اللغة الأم للإنسان ببناء خلايا الدماغ وأنماط التفكير، وقد ذهب إلى هذا عددٌ من الفلاسفة قديماً، وحتى علماء الأحياء الذين ربطوا نمو خلايا الدماغ بنمو النطق لدى الإنسان، وهذا ما أشار إليه أحد المفكرين حين قال : كلما كان نطق الإنسان سليماً وحصيلته اللغوية متسعة كلما فكّر بشكلٍ سليم ومتسع ! إنّ بناء الذهن يرتبط بالتفكير و صناعة المعرفة، ومن ثم صناعة الاقتصادي المعرفي، الذي يُعدُّ حالياً عصب الاقتصاد العالمي. ٤/ بُعد اجتماعي و فنّي : تُعدُّ المملكة العربية السعودية قلب العالم العربي وموطن اللغة العربية التي قامت على الفنون الأدبية والخطابية والكلامية، ولشدة ارتباط العرب باللغة جاء القرآن الكريم معجزتهم الخالدة. فكانت العرب ومازالت تفخر بأبنائها الأدباء والبُلغاء باعتبارهم وجه و واجهة القبيلة والفئة والمكان، وهذا ما ارتبطت به الذهنية الإنسانية منذ الأزل فعندما قسّم أفلاطون مدينته الفاضلة إلى عدة أقسام جعل أعلاها لأصحاب المنطق والحكمة والكلام، ومازال إحكام اللغة وآدابها في ثقافتنا ومختلف الثقافات يعدُّ قمة الفن والذوق والثقافة واللباقة. إن تعزيز اللغة الصحيحة السليمة الأنيقة هي تعزيز لجودة الحياة وصناعة نمط مجتمعي متفرّد. وثمة العديد من الأبعاد الممتدة التي تخدم وتحقق أعلى الطموحات والتطلعات الوطنية، يجب أن نقف بامتنان لقيادتنا الرشيدة لتمكينها و دعمها الدائم للغتنا وفكرنا وثقافتنا، إننا أمام وطن عظيم ورجال مخلصين لوطنهم وأرضهم وثقافتهم وتاريخهم. وهذه الأيام نحتفي مرتين، الأولى: بتأسيس الحضارة السعودية، والثانية: بلغتنا وجه حضارتنا المضيئة. أخيراً أختم بشيء من شعري: فهنا الحضارةُ أشرقتْ أنوارها و هنا البدواةُ أوثقتْ أطنابا وهنا الفصاحةُ و الرجاحةُ و الرؤى وهنا اتساعُ صدورنا تِرحابا وهنا تفلسفنا ففاقَ كلامنا قيساً و سيبويهَ والإعرابا *كاتبة وشاعرة-منطقة الجوف