ذكرى التأسيس..

الإمـــــــام

يعود بنا التاريخ إلى جذور التأسيس ووضع اللبنة الأولى لهذا الوطن الذي انطلق من عاصمته الأولى الدرعية التاريخية، وإلى مؤسس الدولة الإمام محمد بن سعود، الجد الخامس لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز والجد السادس لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وتتجلى أهمية هذا اليوم في استذكار التاريخ السعودي العريق الممـتدّ لـ300 سنة، وتعريف الأجيال الناشئة بهذا التاريخ العظيم والمراحل والبطولات التي صنعت هذه الأمجاد، وكذلك تخليدًا لذكرى القادة والأبطال، منذ تأسيس الدرعية عام 850هـ (1446م)، ومن ثم تأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1139هـ(1727م)، وصــولًا إلى توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله. أولاً: الجذور التاريخية: •عام 400م استقرّ بنو حنيفة في إقليم اليمامة. •عام 1446م قرّر الأمير مانع المريدي وأفراد عشيرته الانتقال إلى وسط الجزيرة العربية لتأسيس الدرعية. •عبَرَ مانع في رحلته من شرق الجزيرة العربية رمال الدهناء الشاسعة. •استقبل ابن درع أبناء عمه في وادي حنيفة، واتفقا على إعادة مجد الآباء الذين سيطروا على المنطقة وأمّنوا طرق التجارة والحج. •أقطع ابنُ درع الأمير مانعًا موضعي غصيبة والمليبيد. •جعل الأمير مانع غصيبة مقرًّا له ولحكمه، وبنى لها سورًا، وجعل المليبيد مقرًّا للزراعة. •كان قدوم الأمير مانع هو اللبنة الأولى لتأسيس أعظم دولة قامت في تاريخ شبه الجزيرة العربية الحديث. ثانيًا: الدولة السعودية الأولى: التأسيس: تأسست الدولة السعودية الأولى في عام 1727م الحكام: •الإمام محمد بن سعود •الإمام عبد العزيز بن محمد •الإمام سعود بن عبد العزيز •الإمام عبد الله بن سعود العاصمة : الدرعية : التي أصبحت أعظم مدينة في الجزيرة العربية خلال تلك الفترة. ثالثًا: الروابط التاريخية بين السعوديين وأئمتهم: •عزم الإمام محمد بن سعود بعد توليه الحكم عام 1139هـ/1727م على تحقيق التغيير في أحوال الجزيرة العربية، وانطلق بمشروع الوحدة في نجد، قلب الجزيرة العربية، التي كانت تعاني انقساماتٍ سياسيةً وتفككًا كبيرًا بين أهالي البلاد الواحدة، وهو ما جعل تحقيق وحدتها من أصعب مراحل التوحيد، وقد استغرق ذلك وقتًا طويلًا. •استطاع الإمام المؤسس محمد بن سعود تحقيق الانتصارات بعد أن أشرف بنفسه على إعداد جيش قوي من المواطنين الذين آمنوا به وبرؤيته الجديدة، وتولى قيادتهم بنفسه؛ لما لذلك من دعم معنوي كبير للجيش. •تمكن الإمام من إقناع أطياف المجتمع المختلفة بمشروع الوحدة، وهو ما دفعهم للمشاركة والتكاتف في سبيل تحقيقها، فكان الإمام محمد بن سعود من الدرعية يدعو البلدان والقبائل التابعة له للمشاركة في عمليات التوحيد، فيرسلون هم كذلك مجموعة من الفرسان والجند إلى مكان المعركة في التوقيت المتفق عليه. •حظي أهالي الجزيرة العربية في ظل الدولة السعودية الأولى بالاستقرار السياسي والأمني وازدهار الحياة الاقتصادية والعلمية، وأصبحت لهم علاقة وثيقة بقيادتهم الرشيدة؛ لذا بذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيل الدفاع عن حكامهم وموطنهم. •أسف الأهالي على سقوط الدولة السعودية الأولى وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل تأسيسها، ولهذا رحّبوا بعودة الإمام تركي بن عبد الله وساندوه في تأسيس الدولة السعودية من جديد في عام 1240هـ/1824م، ودعموا ابنه الإمام فيصل بن تركي في عمليات التوحيد من جديد، فقد كان المجتمع واعيًا ومدركًا في هذه المرحلة لأهمية الدولة لاستقراره وازدهاره، بعد تجربته في عهد الدولة السعودية الأولى. •عاد الملك عبدالعزيز إلى الرياض في عام 1319هـ/1902م عازمًا على بناء الدولة من جديد والنهوض بها إلى مصاف الدول الحديثة المتقدمة، بعد أن تراجعت الأوضاع فيها كثيرًا بسبب الفراغ السياسي الذي حل بها بعد سقوط الدولة السعودية الثانية. وبمجرد إعلانه الحكم السعودي من جديد في العاصمة الرياض، قدمت الوفود من البلدان والقبائل مبايعةً له، معربةً عن مساندتها له في عمليات التوحيد. وفعلًا، قدَّم السعوديون أرواحهم وأموالهم خدمةً لقادتهم ووطنهم حتى أعلن الملك عبدالعزيز تأسيس المملكة العربية السعودية في عام 1351هـ/1932م. •تميّزت الدرعية عن سائر المدن في الجزيرة العربية بأنها استطاعت استقطاب جميع المواطنين للعيش فيها بسلام بصفتها العاصمة التي يجتمع بها مختلف أطياف المجتمع، بفضل رؤية الإمام محمد بن سعود، تحقق ذلك بجملة من العوامل، منها: •استقبلت الدرعية منذ تأسيسها المواطنين من مختلف أنحاء الجزيرة العربية وخارجها، فاستقرّ فيها أو زارها كثيرٌ من الأشخاص من مناطق متنوعة. •تأمين طريق التجارة والحج الذي يمرّ من الدرعية، وذلك بفضل السياسة التي اتبعها الإمام لتأمين هذا الطريق، فقد عمل لإقامة علاقات ولاءٍ متينةٍ مع القبائل التي تمرّ أراضيها به، واتفق معها على ضمان الأمن وتقديم الخدمات اللازمة للمسافرين. •الاستقرار السياسي في الدرعية، فقد كان الاستقرار يشكل عاملًا مهمًّا في نمو المدينة وازدهارها وزيادة عدد سكانها. •الدرعية مركز علمي استقطب طلاب العلم من جميع أنحاء الدولة السعودية الأولى، فكانت مستقرًّا لهم تكفُل لهم الدولة حياةً كريمةً في وقت دراستهم فيها. •كان أئمة الدولة السعودية الأولى متصفين بصفات العرب النبيلة، كالكرم والمروءة والشجاعة والوفاء، وكان مجلس الإمام مفتوحًا لاستقبال المواطنين يدخلون عليه يوميًّا. •كان الأئمة كثيري العطاء والصدقات للمحتاجين وأهل العلم وطلبته، ولمعلمي القرآن والمؤذنين وأئمة المساجد. •يقول ابن بشر عن الإمام سعود بن عبدالعزيز: “قام إليه أهل الحوائج من أهل الشكايات من البوادي وغيرهم، وكان كاتبه عن يساره، فهذا قاضٍ له حاجتَه، وهذا كاتبٌ له شكايتَه، وهذا دافعه وخصمه إلى الشرع، فيجلس في مكانه ذلك نحو ساعتين حتى ينقضي أكثرهم، ولما ينهض قائمًا ويدخل القصر ويجلس في مجلسه في المقصورة يصعد إليه كاتبه ويكتب جوابات تلك الكتب التي رُفعت إليه في ذلك المجلس إلى العصر، وينهض للصلاة “. رابعًا: الإمام محمد بن سعود (المؤسس): حياته: •ولد الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن عام 1090هـ (1679م). •نشأ وترعرع في “الدرعية“، وزامنت سنوات نشأته في الدرعية مرحلةً مهمةً في تاريخها، عانت خلالها صراعًا داخليًّا على السلطة، ثم استقرّت أحوالها مع تولي والده سعود بن محمد حكم الدرعية. •تعلّم على أيدي أبرز العلماء في نجد، والتحق بالكتاتيب ومجالس العلم في عهده. •استفاد من التجربة التي خاضها في شبابه حين عمل إلى جوار والده في ترتيب أوضاع الإمارة، وهو ما أعطاه معرفةً تامةً بكل خباياها. •تربى في بيت عزّ وإمارة، فنشأ على تحمّل المسؤولية والقيادة. •أشهر زوجاته موضي بنت سلطان أبي وهطان، من آل كثير، كانت لها مواقف تاريخية مشرّفة بجوار الإمام محمد. وكان أبناؤه: فيصل، وسعود، وعبدالعزيز، وعبدالله على درجة عالية من الشجاعة والمبادرة. أبرز المنجزات في عهده: •تأمين طرق الحج والتجارة والإسهام في نشر الاستقرار. •بناء سور الدرعية للتصدي للهجمات الخارجية •النهضة العمرانية وبناء حي الطرفية بجوار حي غصيبة •بدء مشروع التوحيد وحملاته وتوليه قيادتها •العناية بالجانب التعليمي والثقافي وجعل الدرعية بيئةً جاذبةً للعلماء •الاستقرار السياسي وعدم الولاء لأيّ قوة، في حين أنّ بعض بلدان نجد كانت تُدين بالولاء لبعض الزعامات الإقليمية. •التواصل مع البلدات للانضمام إلى الدولة السعودية الأولى، عن طريق احتواء زعاماتها. •توحيد معظم منطقة نجد وانتشار أخبار الدولة في أرجاء الجزيرة العربية. •التصدّي لعددٍ من الحملات التي أرادت القضاء على الدولة في بدايتها. مقر الحكم في عهد الإمام محمد بن سعود: من غصيبة إلى حي الطرفية: حي غَصِيْبة: هو أساس الدرعية، فقد كان مقرَّ الحكم بعد تأسيس الدولة السعودية الأولى، وهو في الطرف الشمالي لحدود الدرعية القديمة، وحُصّنت الجهة الشمالية بسور قويّ عالٍ يصل سُمْكه إلى أربعة أمتار، تتوسّطه بوابةٌ كبيرة تسمح بدخول قوافل الجِمال.  حي الطرفية: انتقل الإمام المؤسس من غصيبة إلى الطرفية، وهي جزءٌ من سمحان. وقد كان الاستيطان على الضفة اليمنى (الشرقية)، ويقع حي الطرفية جنوب حي غصيبة، ويعدّ الموقع من المواقع الحصينة الإستراتيجية التي كان لها أثرٌ كبيرٌ في مواجهة العدوان العثماني. خامسًا: جودة الحياة في الدولة السعودية الأولى: الجانب الاقتصادي: •نعمت الدرعية بوفـرةٍ مالية كبيرة، وازدهر اقتصادها، فكان بيت المال بمنزلة خزانة الدولة في عهد الدولة السعودية الأولى، وهو في مبنى مجاور لقصر سلوى من الجهة الجنوبية. •يعدّ سوق الموسم رمــزًا مهــمًّا في المجال التجاري، موضعه في وادي حنيفة بين حي الطريف من الجهة الغربية وحي البُجَيْري من الجهة الشرقية. •عُرف باسم (سوق الموسم) لكثرة الحوانيت التي يحويها، ولأنه عامـلُ جـــذبٍ مهـمٌّ يجتمع فيه عددٌ كبيرٌ من الناس. وقد ذكره المـؤرّخ ابن بشر ووصفه بقوله: “لقد نظرت إلى موسمها يومًـا وأنا في مكان مرتفع، وهو في الموضع المعروف بالباطن بين منازلها الغربية التي فيها آل سعود والمعروفة بالطريف، وبين منازلها الشرقية والمعروفة بالبجيري التي فيها أبناء الشيخ، ورأيت موسم الرجال في جانب، وموسم النساء في جانب، وما فيه من الذهب والفضة والسلاح والإبل والأغنام، وكثرة ما يتعاطونه من صفقة البيع والشراء، والأخذ والعطاء، وغير ذلك. وهو مـدّ البصر لا تسمع فيه إلا دويَّ النحـل من النجناج، وقول بعت واشتريت، والدكاكين على جانبيه الشرقي والغربي، وفيها من الهُـدم والقماش والسلاح ما لا يوصف”. •اهتمت الدولة السعودية الأولى منذ تأسيسها بالخيل العربية؛ فعلى ظهورها استطاع أئمة الدولة توحيد معظم أرجاء الجزيرة العربية. وقد اعتنى الأئمة من آل سعود باقتناء الخيول الأصيلة وتربيتها، والحفاظ على سلالاتها في بيئة تحفظ لها ذلك، وكان اهتمامهم بالخيل العربية الأصيلة وعنايتهم بها من العوامل التي أدّت إلى إنقاذها وتكاثرها في المنطقة. •امتلك الإمام سعود بن عبدالعزيز نحو 1400 من الخيل العتاق، وكان إنفاقه الرئيس على خيوله موزعًا بين الدرعية والأحساء، وكان لديه أجود المهار العربية، ومن شدّة حرصه واهتمامه بالخيل أنه أصدر نظامًا بمصادرة الخيول العربية الأصيلة التي تتعرّض لسوء المعاملة من مُلاكها، وكان الإمام سعود يشتري أكثرها بأثمان باهظة جدًّا، وعُرف بأنه دفع مبلغًا يساوي 600 جنية إسترليني ثمنًا لفرس واحدة. •قال بوركهارت: “وكان لدى الزعيم السعودي سعود (الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود) فرس مفضلة اسمها (كريع) يركبها دائمًا في حملاته العسكرية، حتى أصبحت مشهورة في جزيرة العرب كلها”. •يعـدّ عهد الإمام عبدالعزيز بن محمد وعهــد ابنه الإمـام سعــود هـو العـصــرَ الذهــبيَّ في تاريخ الدولة السعودية الأولى، فقد بلغت الدولة أقصى اتساعها وازدهرت مواردُها وتعدَّدت. •استثمار المقومات المحلية في شبه الجزيرة العربية، فقد كُسِيَت الكعبة من الأحساء لأول مرَّة. •حجَّ الإمام سعود تسع مرّات، وفي كلّ مرَّة يكسو الكعبة مـرةً بالقـز الأحمر، ومرات أخرى بالقيلان والديباج الأسود، وجعل إزارها وكسوة بابها من الحرير المنسوج بالذهب والفضة، وتناقلت الأجيال روايــاتٍ عن بعض الثقات قولهم: إنها بلغت الحالة في تقدُّمها بالترف بحيث إنَّ من المترفين من يغتسل بالطيب. الجانب الإداري: •بعد انتقال مقرّ الحكم من حي الطرفية أصبح حيُّ الطريف التاريخي مركزَ الحكم الثالث في عهد الدولة السعودية الأولى، وتحديدًا في قصر سلوى، فكانت القرارات والتوجيهات تصـدُر إلى أمراء المناطق والنواحي لتنفيذها، ولا سيما تلك التي تُعنى بأمور المواطنين. وقد استـمرَّ هذا المكانُ مركزَ ثقلٍ سياسيـًّا وثقافيًّا في المدَّة التي ما بين عامي ( 1233-1180 هـ / 1766 - 1818 م). •كان مجلس الإمام يتضمّن عدة جلسات لتداول الرأي وقضايا الشعب وشؤونهم وحاجاتهم.  •الإمام: يعـدّ الإمام هو الأساسَ في الدولة السعودية الأولى، يحظى بسلطات واسعة في الدولة، مثل: الإشراف العام على شؤون الدولة، والإشراف على الشؤون المالية للدولة، ويشرف على إعداد الجيوش، ويتولى قيادة هذه الجيوش في بعض المعارك أو يجعل من ينوب عنه من أسرته أو قادته العسكريين. •ولي العهد: يتولى ولي العهد قيادة الجيوش وينوب عن الإمام في إدارة الحكم في حال غيابه. •أمراء الأقاليم: كان أمراء الأقاليم مخلصين للدولة، وعلى معرفةٍ بقوانينها وتشريعاتها، وعلى اتصال دائم بالإمام، وتتركز مهامهم في معاقبة المخطئين وفقًا للشريعة الإسلامية مستعينين بالقضاة الذين تعيّنهم الدولة في كل بلدة. •القضاة: تأسيس نظام قضائي موحَّـد منهجاً يسير عليه جميع القضاة وفــقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، وتتولى الدولة مسؤولية توفير القضاة في جميع البلدان، والإشراف على أعمالهم لضمان سير النظام والعدل. خصَّصت الدولة للقضاة مرتباتٍ سنويةً تُصـرف من بيت المال، ومنعتهم من أخذ المال من الأطراف المتنازعة كما كان متعارفًا عليه سابقًا، وساندت النظام القضائي بالسلطة التنفيذية لتسهيل تطبيق الأحكام القضائية. الجانب العمراني: •يتميّز فنّ العمارة في الدرعية - وتحـديدًا في حي الطريف التاريخي – بطـرازٍ فــريدٍ مستوحى من الطراز المعماري النجدي المنتشر في أرجاء شبه الجزيرة العربية. •في حي الطريف 13 قــصرًا وبعض البيوت والمرافق العامة، ويمـيّز جدران هذه المباني الجماليات المعمارية الخارجية، مثل: الثقوب المثلثة المحفورة (اللهوج) التي كان لها دورٌ في تهوية المنزل وإضاءته، وتُســتخدم أيضًا للمراقبة عند الحاجة، وقد قام البناؤون بتزيين أسطح المنازل بالشرفات، وهي مـربّعــات متدرّجة تتّجه رؤوسها إلى أعلى لتوفير خصوصية للعائلة في وقت الصيف وتقي الجدران من الأمطار، وللحماية في أثناء الحروب، كما أنّ لها جانبًا جماليًّا. •قصر سلوى: بُني في حي الطريف، ويعدّ من أشهر المعالم الحضارية في وسط الجزيرة العربية، وقد كان مقرَّ الحكم في عهد أئمة الدولة السعودية الأولى، ويعكس مدى القوة والعظمة التي وصلت إليها الدولة. تزيد مساحة القصر على عشرة آلاف متر مربع، وقد بدئ بناؤه في عهد الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود عام 1179هـ (1765م)، وزاد عليه الأئمة بعد ذلك. سُمّي قصر سَلْوى بهذا الاسم لنمطه المعماري وتعدّد منافعه، فكأنه يُسَلِّي الساكنَ فيه والزائرَ له ويُذهِبُ الهمَّ والحزن.  يعدّ القصر من أحصن المواقع، ويتكوّن من سبع وحدات معمارية متصلة بعضها ببعض، منها مسجد خاصّ به ومدرسة لأبناء القصر.  يستقبل الإمام في القصر ضيوف الدولة وزعماء القبائل وأمراء المناطق وعامة الشعب، وهو أيضًا سكن الإمام وعائلته.  يحتوي على مستودعات التموين والأسلحة ودواوين الدولة، وفي فنائه الخارجي قوع الشريعة الذي يجري فيه توزيع المساعدات على المحتاجين. الجانب الثقافي: •ازدهرت مختلف العلوم في الدرعية نتيجةً لـدعم أئمة الدولة للتعليم، وأصبحت الدرعية آنذاك منــارةً للعلم وقبـلةً للعلماء. •كان للإمام سعود بن عبدالعزيز مجلـسُ درسٍ يومـيٌّ يعقده في هذا السوق مع شروق الشمس، فيجتمع له خلـقٌ كثـيرٌ من أهل الدرعية، ولا يتخلّف منهم إلّا قليـل، وقد كانوا يجلسون في فصل الصيف عند الدكاكين الشرقية، وفي فصل الشتاء عند الدكاكين الغربية. •تطوّرت المخطوطات وجمالياتها في الدرعية، وواكبها نموُّ مهنة الوراقة. •انتشرت الكتاتيب التي تعدّ مكانًا لتعليم مبادئ القراءة والكتابة ودراسة القرآن الكريم وعلومِ الشريعة واللغةِ العربيةِ والرياضيات والعلوم، وكانت المساجد آنذاك مقرًّا لها. •ازداد الاهتمام بالخط العربي وبتطـوّره ونشره من خلال متابعة أدقّ التفـاصيل في جمالياته، ومتابعة تعــلّم الطلاب فنون هذا الخط وتشجيعهم بتقديم المكافآت المالية لأبرز الخطاطين الواعدين من فئة الشباب.  •وفّرت الدرعية خزائن خاصة بالمخطوطات لتعليم أبنائها. •تأثرت بعض البلدان من أنحاء شبه الجزيرة العربية بالطريقة التي تكتب بها مخطوطات الدرعية، خصــوصًا بعد تدمير الدرعية واستقرار بعض العلماء خارج شبه الجزيرة العربية. •إقامة أكبر وقف آنذاك بالمدينة المنورة يتضمن تراث الدرعية. •يقول الرحّالة المستشرق جون لويس بوركهارت: “وفي الدرعية جمعَ كثير من المتعلِّمين الذين يحتلون الدرجة الأولى بين رجال الأدب الشرقيّين مكتباتٍ غنيةً جدًّا من جميع مناطق شبه الجزيرة العربية، وألّف بعضُ العلماء رسائل في موضوعات دينية وقضائية، وقد اشتروا أيّ مخطوطاتٍ وجدوها في هذا المجال بمكة والمدينة ومدن اليمن وأحضروها معهم إلى مدينتهم، ولا شكّ أنَّ مكتبة (سعود) هي أغناها في الوقت الحاضر بالمخطوطات العربية”. •قدمت الوفود الرسمية من أنحاء شبه الجزيرة العربية إلى الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى، وربما اطّلعت هذه الوفود أو بعضها على مكتباتٍ وخزائنَ الدرعية وما فيها من نفائس الكتب ونوادرها. مثل: مخطوط تفسير أنوار التنزيل لعبدالله بن عمر بن علي البيضاوي ت/685هـ، يتكون من 86 ورقة، كتب بالمداد الأسود والأحمر، ومخطوط مجمع البيان في تفسير القرآن، المجلد السادس، للفضل بن الحسن الطبرسي ت/548هـ، يتكون من 350 ورقة، كتب بالمداد البني وطـعّم بالمداد الأحمر وعليه حواشٍ. الجانب الاجتماعي: •بعد أن أصبحت الدرعية عاصمـةً للدولة السعودية الأولى ازدادت أعدادُ المهاجرين إليها، فأثّـر ذلك كثـيـرًا في تركيبة المجتمع. •شهد حـيُّ الطريف نهضـةً اجتماعـيةً بين سكانه، ومع مرور الوقت ازداد عـددُ سكان الحي ازديادًا كبيرًا، وأصبح مقصِدَ أرباب التجارة وموئل الباحثين عن الرّزق. •كان هناك عـددٌ من العناصر الاجتماعية في الحي، وكان أبرزَهم أفرادُ الأسرة المالكة والقضاةُ وموظفو الدولة الكبارُ والعاملون في القصور. •يعدّ الحمّامُ العام بالطريف مؤشــرًا على مدى ما حظي به مجتمع الدرعية من رفاهية، وقد شُيّــد ملاصقـًا لقصر الضيافة لخدمة ضيوف الدولة في المقام الأول. •يُعدّ الوقف من أوضح صور التكافل الاجتماعي ومن أبرز النظُم التي تُحقِّق التنمية الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع السعودي. •ولم يُغفل أئمة الدولة السعودية الأولى العناية بالأوقاف، والاهتمام بشؤونها، وصرف عوائدها في مصارفها الشرعية وفقًا لشروط الموقفين على الأسس والضوابط الشرعية. •وقد تنوّعت أوقاف أسرة آل سعود ما بين مساجد وأراضي وكتب ومخطوطات ومدارس ومكتبات، أسهمت جميعها في تلبية حاجة الناس من طلبة العلم والمحتاجين. •الأئمة في رمضان: وصف المؤرخ ابن بشر عادات رمضان لدى الإمام عبدالعزيز بن محمد فقال: (وكان مع ذلك كثير العطاء والصدقات للرعية والوفود والأمراء والقضاة وأهل العلم وطلبة ومعلمة القرآن والمؤذنين وأئمة المساجد، حتى أئمة مساجد نخيل البلدان ومؤذنيهم، ويرسل قهوةً لأهل القيام في رمضان). وقد وصف المؤرخ ابن بشر أيضًا رمضان في عهد الإمام سعود بن عبدالعزيز فقال: ( وكان إذا دخل رمضان سار مساكين أهل نجدٍ وكل أعمى وزمِن ونحوهم وقصدوا الدرعية، فكان سعود كلَّ ليلة يدخلهم للإفطار عنده في القصر مع كثرتهم، ويعطي كلَّ رجل منهم جديدة، وهي في تلك الأيام خمس ريال، فإذا دخلت العشر الأواخر أدخلهم أرسالًا، وكل ليلة يكسو منهم جملة، ويعطي كل مسكين عباءة ومحرمة وجديدة، فإذا فرغت العشر فإذا هو قد كساهم كلهم إلا نادرًا). وقال أيضًا: (وقد ذكر لي رجلٌ كان عندهم في القصر يعلّم القرآن قال: كان سعود في آخر ولايته يجمع المساكين يوم سبع وعشرين من رمضان ويدخلهم في قوع الشريعة المعروف في قصره ويفرّق عليهم كسوتهم المذكورة، وكل رجل على عادته، وهم نحو ثلاثة آلاف رجل). دور المرأة: •كان للمرأة في عهد الدولة السعودية الأولى دورٌ كبيـرٌ في المجال الإداري والسياسي في الدولة، قال الرحالة الفرنسي فليكس مانجان عن زمن حصار الدرعية: “وكنّا نرى النساء السعـوديات وهنّ يحملـن جِـرارًا مملوءةً بالماء، يقتحمن خط النار لإيصال الماء إلى المحاربين”. •تشير كثير من وقفيات المخطوطات في الدرعية إلى عناية المرأة بالحركة العلمية، سواءٌ من نساء الأسرة السعودية المالكة أم أسر الدرعية، وإلى الاهتمام الملحوظ بطلاب العلم وإشاعة المعرفة الذي تبـدَّى من نصوص الوقفيات التي أشارت إلى ذلك. •الأميرة موضي بنت سلطان أبي وهطان الكثيري: موضي بنت سلطان أبي وهطان الكثيري، من آل كثير، من قبيلة بني لام، من طيّئ. وُلدت في أوائل القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي تقديرًا، وتزوّجها الإمام محمد بن سعود فأنجبت ابنه الإمام عبدالعزيز عام 1133هـ/1721م، وهي أم الأمراء سعود وعبدالله وفيصل، وصفها ابن بشر بأنها كانت ذات عقل ودين ومعرفة. تميّزت بنظرتها الثاقبة ورؤيتها الحكيمة، واهتمّت الأميرة موضي بن أبي وهطان بالعلم والأوقاف، وكان لها وقفٌ شهيرٌ في حي الطريف وهو سبالة موضي، والسبالة وقف خيري للمجتمع. بنى الإمام عبد العزيز بن محمد وقف مسجد وسبالة موضي في حيّ الطريف عام 1190 هـ/1776م تقريبًا. وقد خصص هذا الوقف لخدمة الزائرين من مختلف الفئات، مثل طلاب العلم والتجار وغيرهم من خارج المدينة، فوضع فيه أماكن لاستقبال الضيوف والدارسين في تلك الحقبة. وقف مسجد وسبالة موضي: •يقع الوقف في حي الطريف، شرق قصر سلوى ملاصقًا لبيت المال، على الضفة الغربية لوادي حنيفة. •هو مبنى طيني بجوار مسجد موضي، بمساحة تقدر بـ 314 مترًا مربعًا، وهو مكوّن من طابقين، بُنيا على فناءٍ مكشوف على ساحة داخلية تطلّ نوافذها على الجهة الأخرى من وادي حنيفة. •في الطابق العلوي غرف نوم ومجالس يسكنها ضيوف الدرعية، في حين خُصّص الطابق الأرضي للخدمات، ففيه غرفة معيشة لإعداد الطعام ومخزن وإسطبل خيل للمسافرين وحوش لإبلهم، وبُنيت في الطابق الأرضي للجدار الخارجي دكاكين تجارية خصّص ريعها للمسجد وصيانة المسكن وتقديم المياه والطعام للمسافرين. •يقع الوقف في حي الطريف، شرق قصر سلوى ملاصقًا لبيت المال، على الضفة الغربية لوادي حنيفة. •هو مبنى طيني بجوار مسجد موضي، بمساحة تقدر بـ 314 مترًا مربعًا، وهو مكوّن من طابقين، بُنيا على فناءٍ مكشوف على ساحة داخلية تطلّ نوافذها على الجهة الأخرى من وادي حنيفة. •في الطابق العلوي غرف نوم ومجالس يسكنها ضيوف الدرعية، في حين خُصّص الطابق الأرضي للخدمات، ففيه غرفة معيشة لإعداد الطعام ومخزن وإسطبل خيل للمسافرين وحوش لإبلهم، وبُنيت في الطابق الأرضي للجدار الخارجي دكاكين تجارية خصّص ريعها للمسجد وصيانة المسكن وتقديم المياه والطعام للمسافرين. سادسًا: جازان في ظل الدولة السعودية الأولى: •شكلت منطقة جازان، المعروفة تاريخيًّا باسم المخلاف السليماني، أحد الأقاليم التي وحدتها الدولة السعودية الأولى ضمن حدود دولتها وتميزت بولاء أهلها الكبير للدولة السعودية واهتمامهم بالعلم، فعكست عمق التفاعل بين الدولة السعودية ورعايتها للعلم واهتمام أهالي جازان بذلك. تعد جازان من الأقاليم الحدودية للدولة السعودية ومن هنا اكتسبت أهميتها وبأس رجالها، وقد برز في هذا السياق عددٌ من علماء المنطقة، من بينهم أحمد بن حسين الفلقي الذي كانت له صلاتٌ علمية مباشرة بالدرعية، وأسهم بدور فاعل في نشر العلم والتعليم في صبيا في عهد الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود. •وجاء هذا النشاط العلمي موازيًا لجهود الدولة السعودية الأولى في ضبط الأوضاع الأمنية، واحتواء النزاعات القبلية، وبسط الاستقرار في الإقليم، بما أتاح للعلماء أداء رسالتهم في بيئة آمنة ومنظمة، فأسهم الاستقرار السياسي في ازدهار الحركة العلمية، وأسهم العلماء بدورهم في ترسيخ قيم الطاعة والوحدة والانتماء للدولة. سابعًا: الباحة في ظل الدولة السعودية الأولى: •شكلت منطقة الباحة، بقبائلها ومجتمعها، جزءًا فاعلًا من المشهد السياسي والاجتماعي في ظل الدولة السعودية الأولى، فلم يكن ارتباطها بالدولة ارتباطَ نفوذٍ عابرًا، بل انتماءً نابعًا من وحدة الدولة والموقف والمصير، حيث تفاعل أهالي الباحة مع مشروع الدولة السعودية الأولى، فكانوا سندًا لها في مواجهة الاضطرابات والتدخلات الخارجية. •بخروش بن علاس هو أحد أبرز القادة والفرسان السعوديين في منطقة الباحة، عُرف بالحكمة والدهاء والشجاعة، واستطاع توحيد القبائل وقيادتها في مواجهة القوات العثمانية المعتدية على الدولة السعودية الأولى. •أسهم بخروش بن علاس وقبائل منطقة الباحة إسهامًا بارزًا في دعم حركة الدفاع السعودية في الحجاز خلال معركة القنفذة عام 1229هـ/1814م وبسل عام 1230هـ/1815م وغيرها، بما عزّز صمود الحجاز أمام القوات العثمانية المعتدية. •ومن أبرز معارك القائد بخروش بن علاس تلك التي وصفها ابن بشر في حوادث عام 1129هـ / 1814م بقوله: “وكان العثمانيون قد ساروا من مكة والطائف بعساكر كثيرة نحو عشرين ألفًا من الأتراك والمغاربة فحاصروا بخروش بن علاس في الوادي... وحصلت المواقعة بين العثمانيين وبين تلك الجنود الحجازية والتهامية قرب حصن بخروش فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم العثمانيون هزيمةً شنيعة، فغنم السعوديون خيامهم ومحطتهم وزهبتهم وأزوادهم وبغالهم، وقُتل من العثمانيون مقتلةٌ عظيمةُ أكثر من ألف رجل، ولم يسلم منهم إلا من هرب على الخيل”.