يوم التأسيس يعيد أبطال الذاكرة الشعبية ..
بخروش بن علاّس .. البطل الذي جسَد حضور الجنوب في الدولة السعودية الأولى .
يهل يوم التأسيس، فيعيد تدوير الذاكرة لأسماء عابرة، وشخصيات صنعت لحظات مفصلية في تاريخ الدولة السعودية الأولى، من بينها تبرز شخصية بخروش بن علاس بوصفها نموذجًا للقائد الذي تجاوز حدود الجغرافيا ليصبح رمزًا لحضور الجنوب في معادلة الدولة السعودية. القائد بخروش بن علاس لم يكن مجرد اسم في سجل الحروب، إنما تعبير عن تلاحم المناطق مع مشروع سياسي وهوية جامعة تشكلت مبكرًا، فاستمر حضوره في الذاكرة الشعبية عبر الشعر والروايات الشفوية، تجلت كدلالة ملموسة أنه يعيش في وجدان الناس، حيث يتحول التاريخ إلى حكاية متوارثة تعيد إنتاج المعنى جيلاً بعد جيل. اختلاف قراءة المؤرخين لشخصيته يعكس ثراء المرحلة نفسها، فكل زمن يعيد تفسير أبطاله وفق أسئلته المعاصرة، وهو ما يجعل بخروش شخصية مفتوحة على التأويل لا جامدة في إطار واحد، واستحضاره في يوم التأسيس، لا يهدف إلى تمجيد فرد بقدر ما يعمق فهمنا لتنوع الجذور التي قامت عليها الهوية الوطنية، ويذكّر بأن مشروع الدولة كان منذ بدايته مساحةً شاركت في صياغتها كل الأطراف، شمالًا وجنوبًا، في قصة تأسيس ما زالت تتجدد. فضاء وطني مؤسسي. بيّن القاص محمد جبران “أن في العصر الحديث، برز الدور المحوري الذي تقوم به الدولة السعودية حفظها الله في إعادة الاعتبار لشخصيات تاريخيّة سعودية ، من خلال دعم البحث التاريخي، وإحياء رموز الدولة السعودية الأولى، ودمج سيرهم في المناهج والبرامج الثقافية والإعلامية، وأسهمت هذه الجهود في نقل سيرهم من نطاق الذاكرة الشعبية المحدودة والمشتته إلى فضاء الوعي الوطني المؤسسي”. وزاد “وبهذا تتكامل اليوم رواية المجتمع مع مشروع الدولة في حفظ التاريخ، فكان أن أصبح على سبيل المثال بخروش بن علاس مثالًا على قدرة الأمة على استعادة رموزها، وتحويل بطولاتهم إلى رصيدٍ وطني وثقافي دائم، كونه لم يعد مجرد شخصية من الماضي، بل شاهدًا حيًا على عمق الجذور التاريخية للدولة، وعلى استمرارية مشروعها السياسي والحضاري”. وقال “بخروش بن علاس أحد أبرز القادة الميدانيين في الدولة السعودية الأولى، وأحد الرموز التي ارتبط اسمها بالمقاومة والدفاع عن الكيان السياسي الناشئ في مواجهة القوى الإمبراطورية العثمانية آنذاك، ونتيجة لظروف سياسية وثقافية في حينها، تهمش حضوره وأضعف دوره لفترات طويلة”. وأوضح “رغم ندرة المصادر المكتوبة التي وثقت سيرته، إلا أنها لم تنجح في محو أثره من الذاكرة الجمعية، إذ تولّى المجتمع، عبر تناقل الروايات الشفوية سرًا، أن يحفظ ملامح من بطولاته وتضحياته، من خلال أقاصيص وأبيات شعر متوارثة، جسّدت حضوره في الوجدان الشعبي، وكانت حارسًا أمينًا للذاكرة التاريخية، مما رسخت هذه الصورة بقاء أجزاء من قلعته، التي كانت منطلقًا لحملاته ضد الدولة التركية، شاهدًا ماديًا على دوره النضالي، ومُعزّزًا لمصداقية الروايات المتداولة عنه”. واكتسبت تجربة بخروش بن علاس أهميتها التاريخية من كونه واجه، بإمكانات محدودة، أحد أقوى الجيوش في عصره، في سياق دفاعه عن الدولة السعودية الأولى، وجاء استشهاده ونقل رأسه إلى أسطنبول – وبحسب ما أفاد به جبران- ليمنح هذا المسار بعدًا رمزيًا مضاعفًا، “فحوّله من قائد ميداني إلى أيقونة وطنية للتضحية، وأسهم في تثبيت صورته في الوعي الشعبي بوصفه نموذجًا للثبات والولاء والشجاعة”. استحضار أبطال الدولة السعودية الأولى ضرورة. من جانبه قال المؤرخ حماد السالمي: “إن استحضار الأسماء التاريخية اللامعة في سجل الدولة السعودية منذ عهد الدولة السعودية الأولى وحتى اليوم ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وطنية تحفظ الذاكرة وتبني الوعي، وأن الأمم الحية هي التي تعيد تقديم رموزها للأجيال بوصفهم نماذج للشجاعة والكرامة والاستقلال”. وعدّ السالمي الفارس بخروش بن علاس الزهراني “نموذجًا للمقاومة العربية الصلبة في وجه التسلط العثماني الذي عانت منه قبائل غامد وزهران في الباحة، كما عانت بقية قبائل الحجاز، قاتل دفاعًا عن أرضه وكرامة قومه حتى قُتل مرفوع الرأس، مسجلًا صفحة خالدة في تاريخ المنطقة”. وأشار السالمي إلى الأمير عثمان المضايفي العدواني، أمير الطائف والحجاز في عهد الدولة السعودية الأولى، مبينًا أن نهايته بالأسر والقتل سنة 1234هـ على يد الحكم العثماني “تعكس مرحلة قاسية من الاستنزاف السياسي والاقتصادي الذي عانت منه القبائل العربية، وأن تلك المرحلة لم تقابل بخدمات تعليمية أو صحية أو معيشية تذكر” مؤكدًا على أهمية الدور الذي قامت به الأميرة القائدة غالية البقمية “ والذي يُمثل واحدًا من أكثر المشاهد إشراقًا في تاريخ المقاوم، حيث أنها وقفت بشجاعة أمام حملات محمد علي باشا، ونجحت في صد القوات العثمانية، ورفعت راية الدولة السعودية الأولى في “تربة” وما حولها، في تجربة تثبت أن القيادة الوطنية كانت مشروعًا شارك فيه الرجال والنساء معًا”. وشدد السالمي على أن هذه البطولات تجسد إباءً عربيًا أصيلًا رافضًا للوصاية الأجنبية “ومهّدت لقيام كيان كبير عصي على الانكسار، أرساه الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود، واستمر في بنائه أبناؤه من بعده” مبينًا أن استحضار هذه الشخصيات في المناسبات الوطنية وفاء للماضي واستثمار للمستقبل “ وأن بقاءها حاضرة في أذهان الأجيال يعزز الهوية الوطنية ويرسخ معنى الاستقلال والسيادة”. نموذج الإباء في ذاكرة التأسيس وقال المؤرخ عبد الحي الغبيشي:” إن يوم التأسيس يفرض قراءة شخصيات قيادية عكست روح المرحلة، وتستدعي دائمًا استحضار دور أولئك الأبطال الذين شاركوا مع الدولة السعودية من أمراء الأقاليم وقادة الجيوش، الذين ضحوا بأنفسهم دفاعًا عن الوطن، وكانوا من مختلف الأطياف والأقاليم والقبائل جنودًا مخلصين لقادتنا آل سعود الكرام، في تأكيد واضح على تلاحم الإنسان السعودي مع قيادته”. وأفاد “من أولئك الأبطال فارس وأمير زهران وأحد قادة الدولة السعودية الأولى بخروش بن علاس الزهراني (1170 – 1230هـ) الذي يعد من أبرز القادة المناضلين الموسومين بالوطنية والشجاعة، ابتداءً من معركة وادي الحمى بقيادة عثمان المضايفي ببادية بني كبير من بلاد غامد، وإخضاع بعض المتمردين على حكم الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود عام 1218هـ، وكان أن رشحه حينها عثمان المضايفي أميرًا على زهران، وانتهاءً بتلك المعارك التي خاضها ضد الأتراك، ما بين مناوشات ومباغتة وكر وفر من أبرزها معركة تربة سنة 1228هـ، التي شارك فيها مع مجموعة من قادة وأهالي الجنوب أمثال طامي بن شعيب من عسير، وابن شكبان من بيشة، وابن دهمان من بني شهر، وابن قطنان من رنية، وابن حطامل من شهران، وغيرهم”. وأكد أن معركة القنفذة الشهيرة عام 1229هـ شكلت محطة بارزة حين انضم بخروش إلى أمير عسير طامي بن شعيب، وباغت العدو الذي انهزم شر هزيمة، إضافة إلى معركة ناصرة بالحارث ومعركة بسل ومعركة وادي قريش التي دارت رحاها في دياره “أبلى بخروش في تلك المعارك بلاءً حسنًا، ولقن الغزاة درسًا مفاده أن الوطنية والروح الفدائية لا تباع ولا تُشترى، وأن أروع قصص التضحية هي قصة تراب الوطن، وأن إباء الضيم خلق راسخ، وكانت من المسببات جعلته يضع نصب عينيه مطاردة الغزاة الأتراك أينما حلوا وارتحلوا، في سراة بلاد زهران، وتهامة، والقنفذة، والطائف، وتربة، وناصرة بالحارث وغيرها”. ويرى الغبيشي أن شخصية بخروش تعكس حضور مناطق الجنوب في أحداث الدولة السعودية الأولى بصورة جلية “ونموذج لقيادة متمرنة لو قيست بمفاهيم العصر لتعدت رتبة رئيس أركان جيش، غير أن زمنه لم يعرف تلك المسميات، وعزز هذه الصفات مرافق الحملة التركية المؤرخ الإيطالي جيوفاني فيناتي حين قال: لم يشهد العرب أشجع من بخروش في زمانه، وهذا دليل على القوة والحضور والتأثير الذي صنعه بخروش بن علاس في تلك المرحلة”. وبقاء شخصية بخروش حية في الذاكرة الشعبية أرجعه الغبيشي إلى ما قدمه من أفعال “ رغم أنه لم يُنصف في زمانه، إذ لاحقته نظرة متحاملة تصفه بالشدة والجبروت والقسوة في أحكامه، حتى جرى المثل حكمك يا فلان كما حكم بخروش، كون صرامته وقوة أحكامه وتكليف بعض أفراد المجتمع بأشغال شاقة أسهمت في تكوين هذه الصورة، بينما حاولت الروايات والأعمال الأدبية الحديثة إعادة قدر من الإنصاف، ومن ذلك رواية غيث للروائي محمد جبران، فرغم غموضها انصفت شخصيته بوصفه بطلًا”. ورجح الغبيشي أن الحروب المتلاحقة لم تترك مجالًا لتوثيق دقيق لحياة بخروش، سواء من المقربين من أسرته أو من غيرهم، وكان أن اشتكى بعض المستشرقين والمؤرخين من هذا النقص، مثل جون لويس بوركهات والمؤرخ عثمان بن عبدالله بن بشر في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد، حيث إن معظم من كتبوا عنه مروا عليه مرورًا عابرًا، مكتفين بالمدح دون تقديم صورة مكتملة يمكن الاعتماد عليها، ما جعل حياته يكتنفها الغموض وتعتمد في أغلبها على الرواية الشفهية المتناقلة”. ويرى الغبيشي أن بروز القادة في المجتمعات يرتبط غالبًا بصفات فطرية كقوة الشكيمة ورفض الظلم، و أن المجتمع يلتف حول قائده عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن حدوده، بينما قد يتردد في دعمه إذا تجاوزت المواجهة الإطار المحلي، مشددًا على أن مكانة الأمم تُقاس بقدرتها على إنجاب القادة وصناعة أدوات قوتها، وأن الاستكانة للضعف تفتح الباب للتراجع “وهناك آراء في علم النفس تفيد بأن نسبة محدودة من الأفراد تمتلك صفات النبوغ والجرأة منذ الصغر، في حين تبقى مسألة توارث صفات كالشجاعة والكرم موضع نقاش علمي بين العامل الوراثي وأثر البيئة والتنشئة، إلى أن تحسمها الدراسات والوثائق”. يوم التأسيس امتداد لمجد السلف بدوره شدد المؤرخ محمد ربيع الغامدي على أهمية الاحتفاء بيوم التأسيس “لأنه أعاد لجزيرة العرب وهجها الأول، ولأنه وضع الأساس المكين الذي تقوم عليه بلادنا الزاهرة اليوم، ويوم فيه فضل كبير من الله أنعم به علينا، تمخض عن دولة حاضرة القرار قوية الكلمة واسعة المحبة، ويأتي احتفاؤنا به امتداداً لجهد أعلامنا الذين عاصروا تلك الحقبه، بخروش بن علاس، ورفاقه ابن حابش، وغيره”. وقال:” لقد كان لبخروش بن علاس دوره المشرف في الذب عن التأسيس، وقُتل شهيدًا في معاركه، وخُلّد اسمه لنعرف نحن من بعده أن يوم التأسيس هو رمز كبير لكل السعوديين ولأجل كل السعوديين، وأنه امتداد لمجد السلف، وإرث لمجد الخلف، أعاد لنا هويتنا العربية ووضعنا حيث يريد لنا الله في صدارة الأمم”. وتابع “يوم التأسيس أسميه يوم الجزيرة العربية، لأنه يرمز إلى اليوم الذي آذن الله فيه بعودة الجزيرة العربية إلى سياقها التاريخي العظيم، بعد أكثر من ألف عام من الابتعاد عن الوهج، ذلك الوهج الذي كان لها مع انطلاق الرسالة المحمدية منها إلى شتى جهات الأرض، تلك الرسالة التي اختار الله نبيه الكريم قائدا لها ورسولا، ثم كان امتدادها مستمراً في عهود الخلافة الراشدة، عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين”. أضاف” اتخذت الخلافة الأموية من بلاد الشام قاعدة لها، ثم تتابع انتقال مراكز القرار من دار إلى دار، بعيدا عن الجزيرة العربية، ابتعدت مراكز القرار فتناقص الاهتمام، ودالت دولة الجزيرة العربية فعادت إلى حضن الفرقة والتشرذم مرة أخرى ، وانتشر مع ذلك ما أنتشر من عادات وتقاليد أوشكت أن تأخذها بعيداً بعيداً عن قدرها التاريخي العظيم، لكن عناية الله قد قيضت لجزيرة العرب أسدا من أسود الحق، هو الإمام محمد بن سعود الذي أنشأ الدولة السعودية الأولى في نجد ثم امتدت حتى اشتملت الحيّز الأعظم من الجزيرة العربية ، وهكذا مع تتابع الأيام عاد لجزيرة العرب دورها التاريخي الحضاري العظيم، ولهذا قلت: يوم التأسيس هو يوم الجزيرة العربية”.