لم تكن الخيوط التي غزلت ثياب الأوائل مجرد أليافٍ تستر البدن، بل كانت مدوناتٍ بصرية، وقصائد منسوجة بمداد الإبرة. في ثياب التأسيس، كان الرمزُ لغةً تسبق الكلام؛ تخبر عن القبيلة، وتشي بالمنزلة، وتعلن الانتماء للأرض. في هذا التحقيق، نستنطق صمت الغرزة، ونقرأ ما وراء الزخرف والألوان، لنكشف كيف صاغ الأجداد هويتهم الأولى عبر أزيائهم التقليدية. الهوية حين تتشكل بالمكان في “يوم بدينا”، عندما يُستدعى الزي التقليدي ليُرتدى احتفاءً بذكرى التأسيس، تتجسّد الهوية السعودية في تنويعات مناطقية تحمل بصمات المكان والتاريخ. فثياب كل منطقة ليست مجموع قطع ملابس فحسب؛ إنها خريطة بصرية تُقرأ من خلال مضمونها الرمزي قبل شكلها الظاهري. في المنطقة الوسطى؛ يرتدي الرجل هوية بصرية مركّبة: العصابة والغترة والبشت والزبون، مع ثوب تقليدي يقف في مركز هذه التركيبة، بينما تتعدد أزياء المرأة بين الثوب الأسود المزركش والتور والدرّاعة المزينة بالترتر، وتتضمن أزياء الأطفال الثوب المرودن والجوخة والطاقية الزرّية. هذا التنوّع يعكس عمق التجربة الاجتماعية في نجد، حيث اختُزلت قيم الاعتدال والوقار في قصّات وألوان تُميّز المجتمع في مركز الجزيرة العربية. في المنطقة الشرقية؛ يتبدّى تأثير البيئة الطبيعية والتجارة البحرية، حيث يتكرر الثوب المرودن والدقلة والعقال المقصّب في لباس الرجال، فيما تستحوذ أزياء النساء على الثوب والنشل والدراعة والبخنق بزخارف ذهبية دقيقة، ما يشير إلى ثراء الحرفة المحلية وحضور الرموز الزخرفية المرتبطة بالخصوبة والاحتفاء. أما المنطقة الغربية؛ فتنحو أزياؤها إلى المزج بين الوظيفة والمظهر الاحتفالي؛ إذ ترافق الثوب المرودن والبشت والغترة في زي الرجال، بينما تحتل أزياء النساء المزركشة (الزبون، المحرمة، المسفع، البيرم) موقعًا دالًا على تاريخ حضري مفتوح على الممرات التجارية القديمة. وغالبًا ما تُلحَق بأزياء الأطفال قطع تُعيد تقديم الهوية الكلية بشكل مبسط لكن غامر بالرموز اللونية. في المنطقة الجنوبية؛ تعكس الأزياء خصائص تضاريسها المناخية والاجتماعية، فثياب الرجال مثل الثوب الأبيض والبيدي والعصابة تظهر علاقة واضحة بالبطانة الجبلية والاستخدام العملي، في حين تعبر أزياء النساء (الثوب المجنب والشيلة المريشة) عن الهوية الجماعية والتماسك الاجتماعي، ويتضح ذلك أيضًا في تنوع أزياء الأطفال مثل الإزار والمصنف والطفشة. وأخيرًا في المنطقة الشمالية؛ يبدو الزي كنسخة مختصرة من الهوية البدويّة الممتدة بين البادية والمجالس الحضرية: رجال يرتدون الغترة والعقال والبشت والثوب المرودن، ونساء يرتدين المحوثل والشيلة والمقرونة، بينما تنطق أزياء الأطفال (مثل الدرّاعة والبخنق) بتحويل إرث اجتماعي قديم إلى رمز بصري قابل للقراءة ضمن سياق الهوية السعودية. الثوب .. ذاكرة ورمز حضاري يرى أستاذ الفنون البصرية بجامعة أم القرى، أ. د. قمّاش بن علي آل قمّاش، أن الأزياء السعودية لا تُقرأ بوصفها مظهرًا خارجيًا فحسب، بل كمنظومة رمزية تحمل في طياتها طبقات من المعنى الثقافي والتاريخي والاجتماعي. فكل قطعة، وكل لون، وكل تفصيلة، تشكّل امتدادًا لذاكرة المجتمع وقيمه المتوارثة. ويشير إلى أن الثوب الرجالي، في اعتماده على اللون الأبيض، يعبّر عن معاني النقاء والتواضع، فيما جاءت قصّته متوائمة مع طبيعة البيئة الصحراوية وشبه الصحراوية، باتساع يسمح بالتهوية والحركة، وإمكانية تشمير الأكمام عند العمل. أما الغترة أو الشماغ، فهي امتداد رمزي عميق لما وُضع على الرأس في هذه البلاد عبر قرون، حمايةً من المناخ القاسي وتكريمًا للرأس ومكانته. ويستحضر اللون الأحمر، الذي ارتبط قديمًا بعليّة القوم من شيوخ وفرسان، وما أُضيف إليه من رموز بسيطة كالمثلثات المسنّنة، المستمدة من الجص النجدي والأحسائي وفن القط، ذات الجذور الممتدة إلى فجر الحضارات في الجزيرة العربية، لتؤكد أن هذا الزي ليس ملبسًا فقط، بل عنوان فخر ورزانة. ويؤكد آل قمّاش أن الحديث عن أزياء الرجال لا يكتمل دون الالتفات إلى الأزياء النسائية، التي لا تقل عمقًا ولا بهاءً، إذ تجمع بين الحشمة والوقار من جهة، وغنى التفاصيل والزخارف من جهة أخرى، في تعبير دقيق عن الدور الاجتماعي والهوية الثقافية. وبصورة أوسع، يرى أن العناصر والرموز البصرية في الأزياء السعودية تمثل تعبيرًا صريحًا عن الانتماء الوطني، والحفاظ على التراث، والتمسك بالقيم الأصيلة، لتظل الأزياء السعودية، في نظره، جسرًا حيًا يصل الماضي بالحاضر، ويحفظ الهوية في مواجهة تحولات العصر. الزيّ وذاكرة المجتمع من جهتها؛ ترى أ. د. نجلاء إبراهيم بن حمدان، الأستاذ المشارك بقسم تصميم الأزياء في جامعة أم القرى، الزيّ التقليدي بوصفه ذاكرة بصرية حيّة، تختزن تاريخ المجتمع وتفاصيله اليومية، وتقول إن الرموز البصرية تحتفظ بهوية كل مجتمع في بيئته، إذ تسرد، بمجرد النظر إليها، حقبة زمنية عاشها الأجداد، وتروي للأحفاد قصص مجتمع تشكّل في تلك البيئة وتلك المرحلة. فالنقوش، والألوان، والخامات ليست عناصر جمالية فحسب، بل لغة غير مكتوبة تحمل مدلولاتها في ثقافة المجتمع، وتشكل أرشيفًا بصريًا كاملًا لقصة مجتمع ارتدى هذا الزي وعاش به. وتوضح أن الرموز المرتبطة بثياب التأسيس لم تكن غامضة على المجتمع، بل كانت مفهومة في عمومها، خاصة في سياقات الاحتفالات الرسمية والوطنية. وتشير إلى دراسة أجرتها، أظهرت أن أكثر من 90% من عينة الدراسة لديهم دراية بالرموز التقليدية وارتباطها بالهوية الوطنية، وهو ما يعكس وعيًا عامًا بدلالاتها الثقافية. وفي المقابل، ترى أن بعض التفاصيل الرمزية الدقيقة، مثل الاختلافات في أنواع الأزياء أو تسمياتها بين المناطق، قد تكون أكثر وضوحًا لأبناء تلك المناطق أو لفئات اجتماعية بعينها، بما يعكس ثراء التنوع الثقافي داخل المجتمع السعودي. وعند انتقال الرمز من سياقه التاريخي إلى فضاء الاحتفاء المعاصر، ترى بن حمدان أن دلالته لا تختفي، بل تتحول. فبعد أن كان يؤدي وظيفة حياتية مباشرة، أصبح رمزًا جامعًا يبعث مشاعر الاعتزاز والفخر والانتماء للوطن، ويجسد صورة التكاتف والترابط بين أفراد المجتمع على اختلاف ثقافاتهم، في لحظة احتفاء واحدة بالهوية والجذور أمام العالم. المرأة وصناعة الرمز لم تكن أزياء التأسيس نتاج مشاغل رسمية، بل وُلدت في البيوت، حيث تولّت النساء حياكة القطع وتطريزها وصياغة ملامحها الجمالية. هناك تشكّلت الهوية البصرية الأولى؛ فاختيار اللون، وكثافة الغرز، ومواقع الزخرفة لم تكن تفاصيل عابرة، بل قرارات تحمل دلالات اجتماعية ومناطقية تعكس العمر والمناسبة والمكانة. وبهذا لم تكن المرأة مرتديةً للرمز فحسب، بل صانعته وحافظته، تُرسّخه في القماش كما يُرسَّخ المعنى في الذاكرة. وعبر هذا الجهد المنزلي المتوارث، انتقلت الهوية من جيل إلى جيل دون حاجة إلى تدوين. كانت الأم تعلّم ابنتها الغرزة كما تعلّمها القيم، فيتحوّل الثوب إلى سجل بصري صامت يحفظ ملامح المجتمع في زمن التأسيس. وحين تُستعاد هذه الأزياء اليوم في المناسبات الوطنية، فإن ما يُستحضر ليس شكلها فقط، بل اليد التي صنعتها والذاكرة التي صانتها؛ إذ كانت المرأة أول من كتب لغة الرموز بخيط وإبرة. الهوية حين تُرتدى قبل أن يُستدعى الزي إلى منصات الاحتفاء، كان جزءًا من إيقاع الحياة اليومية؛ يُفصَّل على مقاس المناخ، ويُخاط بما يتيحه المورد، ويُرتدى بوصفه ضرورة لا بيانًا. في البيئة الصحراوية وشبه الصحراوية، جاء اتساع الثوب استجابةً للحرارة والحركة، وفي السواحل عكست الخامات الخفيفة انفتاح الموانئ، وفي الجبال ظهرت كثافة النسيج مراعاةً للبرد والارتفاع. لم تكن هذه الخيارات واعية بذاتها كرموز، لكنها كانت تُراكم معنى يتشكل ببطء داخل الجماعة. ومع الاستقرار واتساع المجال العام، بدأت القطع تتجاوز وظيفتها المباشرة. صار البشت علامة مقام، والغترة ترتيبًا للهيئة، وتحوّلت بعض الألوان والزخارف إلى إشارات تقرأها العين قبل أن يصرّح بها اللسان. هنا لم يُختَر الزي ليكون رمزًا، بل استقرّ الرمز فيه عبر الممارسة والتكرار والاعتراف الاجتماعي. يوم التأسيس لم يبتدع هذه الدلالات، بل أعاد تثبيتها في الوعي المعاصر. حين يُرتدى الزي اليوم، فإن ما يُستدعى ليس صورة ماضية فحسب، بل تاريخ من الوظائف التي ترسّخت حتى غدت لغة. هكذا انتقل الثوب من كونه عادة معيشية إلى كونه علامة هوية، دون أن يفقد جذوره الأولى. وارتداء الزي في يوم التأسيس ليس تمثيلًا مسرحيًا للماضي، بل فعل انتماء يُمارَس في الحاضر. فالفرد حين يختار زي منطقته لا يكتفي بإحياء صورة تاريخية، بل يُعلن صلته بسلسلة ممتدة من القيم والعلاقات. القطع ذاتها قد تكون بسيطة في بنائها، غير أن أثرها النفسي عميق؛ إذ تمنح مرتديها إحساسًا بالاستمرارية، وتضعه داخل سردية أوسع من زمنه الشخصي. بهذا المعنى، يصبح الزي جسرًا هادئًا بين جيلين: لا يقطع مع الحداثة، ولا يذوب فيها. إنه ممارسة معاصرة لرمز قديم، تُحافظ على التنوع المناطقي داخل إطار وطني جامع، وتحوّل الذاكرة من فكرة ذهنية إلى تجربة ملموسة تُرتدى وتُرى وتُعاش.