حين يتحدث التاريخ بصوت الحاضر.

يمكن للتاريخ أن يتحدث بصوت الحاضر الزاهر، لا بوصفه سردًا لما مضى من أحداث، بل تجربة تفاعلية تُعاش وتُستعاد بروح جديدة. ذلك الامتداد بين الماضي العريق والحاضر المشرق يشكّل عنوانًا يلوّن معظم مناسباتنا الوطنية، ويجعلها قريبة من وجدان أبناء مجتمعنا؛ لأنها تمس جذورهم الراسخة. وهي سمة تميز احتفالاتنا وتمنحها خصوصيتها ومعناها. تقول شاعرتنا هند النزاري: فليَهنكَ التذكار يا وطني والأمسُ رمزٌ للغدِ الأقومِ في عمرك الأزليِّ منبلجٌ ولمجدك الأبديِّ مُستلهمُ ويأتي يوم التأسيس، الذي نحتفل به في 22 فبراير، ليؤكد هذا المعنى؛ فهو يخلّد ذكرى قيام الدولة السعودية الأولى عام 1727م على يد الإمام محمد بن سعود، ويعيدنا إلى لحظة بداية تشكّلت منها ملامح الدولة، ورسخت عبرها قيم الوحدة والاستقرار. هذه المناسبة تفتح باب التأمل في مسيرة وطن تشكّل عبر القرون، واستند إلى تراث متين، وتوارث أبناؤه روح البناء والاعتزاز. وفي يوم التأسيس، كغيره من مناسباتنا الوطنية، يجد كلٌ ضالته؛ الشاعر والموسيقي والمخرج والفنان وغيرهم، يحتفل كلٌّ بطريقته، عبر وسائل التواصل، بكلمة أو همسة أو لوحة فنية تعبّر عن مشاعره. وكأن الإبداع هنا امتدادٌ لذاكرة الوطن. يقول صديقي الشاعر مروان المزيني مستعرضًا جانبًا من ذلك التاريخ: صوتٌ تَنادى هاهو التأسيسُ هذا الإمامُ مؤسسٌ ورئيسُ درعيةُ الأمجادِ أنتِ علامةٌ بينَ الجزيرةِ والفؤادُ يميسُ وفي هذا السياق المرتبط بذاكرة الوطن وامتداده، عشنا قبل أيام حدثًا يحمل المعنى ذاته، وذلك في افتتاح صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز أمير منطقة المدينة المنورة رئيس مجلس هيئة تطوير المنطقة، بحضور صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز نائب أمير منطقة مكة المكرمة، ومعالي رئيس الهيئة العامة للترفيه المستشار تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ، معرض “الهجرة على خطى الرسول صلى الله عليه وسلم”، الذي نظمه مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي “إثراء”. يستعيد هذا المشروع الرفيع تاريخًا أصيلًا بإمكانات عصرية يغلب عليها الطابع التفاعلي؛ فيمكن لك أن تسير عبر المعالم، وكأنك تقطع ما يقارب 400 كيلومتر بين مكة والمدينة، مستحضرًا أحداث الهجرة النبوية بروح تستند إلى البحث العلمي، وتقدّم ذلك الحدث العظيم بلغة يفهمها جيل اليوم. وبهذه المقاربة التفاعلية يُصبح التاريخ واقعًا نعيشه: ليس محفوظًا في المراجع فحسب، بل معايشًا في خطوات تعيدنا إلى الجذور.