شهدت العلاقات بين المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة التي أرسى قواعدها جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- ودولة رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، خلال اللقاء التاريخي الذي جمعهما في الرابع من ربيع الأول سنة 1364هـ الموافق السابع عشر من شهر فبراير 1945م، تطورًا متناميًا في جميع المجالات بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين وشعبيهما الصديقين. وباستعراض تاريخي للزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين يأتي في هذا السياق الزيارة الرسمية التي قام بها الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- لبريطانيا عام 1967م، في حين أنه -رحمه الله- رأس أول بعثة سعودية لبريطانيا عام 1919م. واستمر التواصل بين قادة ومسؤولي البلدين، والزيارات المتبادلة، وإجراء المباحثات الرسمية عبر السنين، وصولاً إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- الذي عمل على تطوير العلاقات الخارجية، وفتح آفاقاً أوسع للتعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويحقق الاستقرار والسلم العالمي. وسارت العلاقات السعودية-البريطانية، وفق سياسة خارجية ترسخ مبدأ العمل المشترك وتطابق وجهات النظر، نحو توثيق التعاون الثنائي في جميع المجالات لا سيما الجانب الاقتصادي في إطار الرؤية المستقبلية للمملكة 2030. وتعزيزاً لهذه الشراكة والتعاون المثمر الممتدة لعقود، تواصلت الزيارات بين مسؤولي البلدين، حيث استقبل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- في مارس 2015م في الرياض، وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، واستعرض معه أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين، وسبل دعمها وتطويرها، وبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية. والتقى الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -أيده الله- خلال ترؤسه وفد المملكة المشارك في قمة قادة دول مجموعة العشرين التي عقدت في مدينة أنطاليا التركية، في نوفمبر 2015م دولة رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، وذلك على هامش أعمال القمة، حيث بحثا أوجه التعاون الثنائي بين البلدين الصديقين، واستعرضا مستجدات الأوضاع في المنطقة. كما استقبل -رعاه الله- في أبريل 2017م، بقصر اليمامة في الرياض دولة رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، وعقد الجانبان جلسة مباحثات رسمية اسُتعرضت خلالها العلاقات الثنائية وأوجه التعاون بين البلدين الصديقين في شتى المجالات، وسبل تطويرها وتعزيزها، إضافة إلى بحث مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية. دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة من التعاون بعد تأسيس مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي البريطاني، الذي عقد اجتماعه الأول في العاصمة البريطانية لندن (مارس 2018)، وعكس تأسيسه عمق العلاقات بين البلدين وحرصهما على تعزيزها، والالتزام بشراكة استراتيجية أعمق لخدمة المصالح المشتركة. ويمثل المجلس الإطار المؤسسي الأهم لتطوير العلاقات الثنائية، حيث أسهم في إرساء تعاون متكامل يشمل السياسة والاقتصاد والمجتمع، مع التأكيد على تعزيز التنسيق السياسي ودعم الأولويات المشتركة للبلدين على المديين الإقليمي والدولي. وضمن هذه السردية التاريخية تعكس زيارة ولي العهد البريطاني للمملكة تقدير الحكومة البريطانية لمكانة المملكة السياسية والاقتصادية، وحرص قيادتي البلدين على تعزيز التواصل والتشاور حول الملفات والقضايا ذات الاهتمام المشترك بما يعزز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، حيث يتفق البلدان على ضرورة حل الأزمات وإنهاء الخلافات بالطرق السلمية والدبلوماسية من خلال الحوار، وعدم المساس بسيادة دول المنطقة، والتأكيد على وحدة وسلامة أراضيها. وقد أكدت بريطانيا دائما دعمها المستمر لرؤية السعودية 2030، باعتبارها مشروعًا وطنيًا تحوليًا ذا أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، حيث تنظر لندن إلى الرياض باعتبارها شريكاً استراتيجياً محورياً في المنطقة وقوة اقتصادية صاعدة على المستوى العالمي. كما أثمرت الشراكة الاستراتيجية بين المملكة وبريطانيا في نمو التجارة البينية بين البلدين بأكثر من 30% منذ 2018م حتى 2023م، محققة 103 مليارات دولار، وبلغ حجم التبادل التجاري بينهما في العام 2024 نحو 7.67 مليار دولار، محققاً نمواً كبيراً بنسبة 13% مقارنة بالعام 2023، فيما بلغ حجمه في العام 2025 (حتى نهاية الربع الثالث) 5.83 مليار دولار. ويأتي التوسع في الشراكات الاقتصادية والاستثمارية بين السعودية وبريطانيا كنتيجة مباشرة للتفاهم السياسي العميق بين البلدين، حيث يحرص الجانبان على تعزيز الشراكة الاقتصادية بين المملكتين، والتزامهما بزيادة حجم التجارة البينية إلى 37,5 مليار دولار بحلول عام 2030م، وزيادة الاستثمار في المملكتين، من خلال رؤية المملكة 2030، وإستراتيجية المملكة المتحدة الصناعية. وقد حرصت المملكة وبريطانيا على تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي من خلال مبادرة (GREAT FUTURES)، حيث شهدت المبادرة خلال انعقادها، توقيع 38 اتفاقية وإعلاناً استثمارياً بقيمة 20 مليار ريال، ستسهم في تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين فضلاً عن مواكبة الإبداع والابتكار في القطاعات ذات الاهتمام المشترك. من هنا يبدو جليا التزام البلدين بشراكة طويلة الأجل لدعم تحقيق رؤية 2030 بحيث تشمل مجموعة من المجالات بما في ذلك: تقييم الفرص والاستثمارات المتبادلة مع المملكة المتحدة (ومن خلالها) من قبل صندوق الاستثمارات العامة، والتجارة البينية بين البلدين، والمشتريات العامة من القطاع الخاص للمملكة المتحدة في مختلف المجالات. وقد عزز صندوق الاستثمارات العامة، والهيئة البريطانية لتمويل الصادرات (UKEF)، جهود التعاون الاستثماري بين البلدين من خلال توقيعهما مذكرة تفاهم بقيمة 6.8 مليار دولار لتعزيز أعمال الشركات البريطانية في الأسواق السعودية، بالإضافة إلى دعم التعاون التمويلي، وتوسيع فرص التجارة والاستثمار بين البلدين. ويسعى البلدان إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية بينهما عبر مجموعة من الاستراتيجيات الاستثمارية والفعاليات، من بينها "منتدى الشراكة والأعمال السعودي - البريطاني" والذي يهدف إلى تحفيز التواصل والزيارات المتبادلة بين رجال الأعمال في البلدين، وتذليل العقبات أمام القطاع الخاص، للتوسع في المشاريع القائمة وضخ استثمارات جديدة. على الصعيد الاقتصادي، بلغ رصيد الاستثمارات البريطانية المباشرة في المملكة 17.3 مليار دولار عام 2024، وهو ما يشكّل ارتفاعًا بنسبة 3.9% مقارنة بالعام السابق (2023)، وتضاعف عدد الشركات البريطانية التي نقلت مقراتها الإقليمية إلى الرياض لتصل إلى 1700 شركة، كما يبلغ عدد البريطانيين العاملين في المملكة حالياً 33 ألفاً. في جانب الطاقة يثمن الجانب البريطاني دور المملكة في دعم توازن أسواق النفط العالمية واستقرارها، وفي موثوقية الإمدادات بصفتها مُصدراً رئيساً للنفط الخام، ويحرص البلدان الصديقان على تعزيز تعاونهما الاستراتيجي في مختلف مجالات الطاقة، بما في ذلك مجال الطاقة النظيفة، والتعامل مع تحديات الذكاء الاصطناعي، والتعاون التقني في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، وجذب الاستثمارات البريطانية في مشروعات الطاقة المتجددة في المملكة. كما سهد التعاون بين البلدين تطورا في مجال البنية التحتية، حيث نظما في شهر يونيو (2024م) "قمة البنية التحتية المستدامة" لاستعراض فرص الشراكة في تنمية المدن المستدامة وتقنيات الطاقة الخضراء، وقد وفرت القمة منصة لاعتماد وتبادل المعرفة المكتسبة من رؤية المملكة 2030، وشكلت نموذجاً عالمياً للتعاون في مجال التنمية المستدامة. وفي الجانب التغليمب يجمع المملكة والمملكة المتحدة روابط تعليمية وثقافية قوية، حيث يبلغ عدد الطلاب المبتعثين السعوديين الدارسين في الجامعات البريطانية حوالي 14000 طالب وطالبة، كما تخطط جامعة (ستراثكلايد) لتصبح أول جامعة بريطانية تُنشئ فرعاً لها داخل المملكة، بالتعاون مع جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن. وتشهد العلاقات العسكرية السعودية البريطانية شراكة استراتيجية تاريخية عميقة ومستمرة منذ أكثر من قرن، كما عمل الجانبان على إحداث نقلة نوعية في الشراكة الدفاعية، لتعزيز الشراكة وتمهيد الطريق لمزيد من التعاون في مجال الصناعات الدفاعية تشمل جميع جوانب العلاقة الدفاعية بين البلدين، بما في ذلك مجال الطيران القتالي. وقد وقعت المملكة والمملكة المتحدة مذكرات تفاهم نوعية لتعزيز التعاون في "الذكاء الاصطناعي"، "علوم الفضاء"، و"الصناعات المتقدمة". يهدف هذا التعاون إلى دمج الخبرة الأكاديمية والتقنية البريطانية مع طموحات التحول الرقمي السعودي، وصدور بيان مشترك لتعزيز التكامل الصناعي والبحث العلمي بين البلدين (سبتمبر 2025). وفي الجانب البيئي ،يقود البلدان مبادرات دولية في مجالات "الهيدروجين الأخضر" و"احتجاز الكربون"، مع توقيع اتفاقيات لتعزيز سلاسل إمداد المعادن الحرجة. تلتزم المملكة وبريطانيا بالتعاون التقني لتحقيق أهداف الحياد الصفري، مما يجعل هذه الشراكة نموذجاً عالمياً للتحول المستدام نحو الطاقة النظيفة.