في العام 1326ه، قررت مدرسة النجاح الخيرية الأهلية، وهي (المدرسة الرحمانية الابتدائية حاليا) بمكة المكرمة، أدراج مادة الرسم والزخرفة والنقش والخط العربي والأشغال اليدوية، ضمن المنهج الدراسي بالمدرسة، لقناعتها كعلم مفيد لبناء الشخصية وتربية الوجدان وشحذ الإبداع والابتكار، واقامتها في العام ذاته، معرضا لمختارات من رسومات التلاميذ واعمالهم الخطية واليدوية، بمشاركة لوحات المعلمين الفنانين بالمدرسة، ضمن فعاليات المعرض الختامي للأنشطة الطلابية بمكة، لتتوج به قرارها بتدريس هذه المادة، كأول حدث فني تشكيلي، والذي يعتبر من البدايات الحقيقية للممارسة التشكيلية، واستمرت بعد ذلك تلك الفعاليات بجهود ومبادرات الفنانين بالمدرسة والمدارس الأخرى والتلقائيون الهواة، بعرض انتاجهم في فن الخط العربي والزخرفة والنقش والحرف التقليدية الفنية، والتي انصبت اكثرها على الأشكال التزينية او النفعية - وليس فنا ابداعيا – في دكاكينهم الخاصة - شبه جاليري - لعدم وجود الصالات والقاعات لاحتضان هذه الأحداث، واشتهر بعضهم، وكانوا يطلقون على المبرزين منهم لقب (الأستاذ) بدليل ان هناك عوائل من احفاد الفنانين لا زالت تتلقب بالحرف الفنية التقليدية التي يمارسها اجدادهم مثل (الرسام، والنقاش، والدهان، والخطاط، والصايغ، والجوهرجي، والنجار، والمنقل- الحرفي في تشكيلات الرخام وصخور المنقبا – والصباغ – الحرفي في التشكيلات الجلدية – والحداد والنحاس - الحرفي في التشكيلات المعدنية - والكراري - الحرفي في النحت على الحجر والصخور والرمل والنورة - والفخراني – الحرفي في تشكيلات الفخار والسيراميك – والخوصي او الخصاف - الحرفي في تشكيلات جريد النخل - والديواني – الحرفي في صناعة الرواشين والمشربيات – والخراز – الحرفي في تشكيلات الخرازة وصناعة والخيام والتيازير – ، والمهرجي – الحرفي في صنع الأختام – والكاتب او الكتبي – الحرفي في تنفيذ اللوحات الإرشادية ورسم الشاحنات) وهذا دليل أن الفن كان موجودا منذ العام 1326ه وما قبله، ولم يظهر فجاءة، وكان حصادا لعدة قرون قبل الإسلام، ففي عصر الجاهلية كانت هناك مئات من الأصنام الوثنية، مختلفة الأحجام والأنماط، موجودة حول الكعبة، تدل على حرفية النحاتين في تلك الحقبة وابداعاتهم، والحس الجمالي لدى تلك الشعوب، وحاجتهم الى تبجيل دور العبادة بالمنحوتات والأصنام، وتجميل ما يبنون من قصور ومساكن، بالأقواس والجداريات والمزهريات والمصابيح، ولما ظهر الإسلام، ابتعدوا عن الأصنام وتصوير الانسان والحيوان تصويرا واقعيا، احتراما للدين، واعتنوا بتزين قاعات ومجالس ومداخل مساكنهم، بالزخارف والنقوش، والتشكيلات الهندسية، فجاءت تلك الرسومات معبرة تنطق بالذوق السليم وتوحي بالجمال والإبداع، والتي تعتبر احدى السمات في معطيات التشكيل السعودي المعاصر، واستمر هذا النهج الى وقتنا الحاضر، والذي يمثّل أقدم الإشارات لظهور هذا الفن، والتي تجاهلتها الكتب والمصادر والمقالات المنشورة، هذه الأسطر المهمة، (قد لا يكون قصداً، الله أعلم) واكتفت بذكر نبذة بسيطة او كحاشية، رغم من بساطتها، لكنها قادرة على قلب تاريخ التشكيل السعودي، وتقسيمه أو تحقيبه، وقطع اوصاله ويجعل كل فترة معزولة عما قبلها وما بعدها؛ ولكن الواقع كان متصلا ومستمرا، لأن السردية المعروفة اعتمدت نشأة الفن التشكيلي السعودي في العام 1373ه من تولي وزارة المعارف مسؤولية التعليم بالمملكة العربية السعودية، وإقرارها مادة التربية الفنية في العام 1376ه، ضمن المنهج الدراسي في مدارس البنين، حيث سادت هذه الروايا لدى المؤرخين اللاحقين، ولم يتوقف عندها أحد !! ونُقل عنهم من بعدهم وتوارثتها الأجيال بهذه السردية، التي تجاهلت نصف قرن من تاريخ هذا الفن، وتغافلت عن الأسماء التي شكّلت النواة الأولى للممارسة التشكيلية في المملكة، وحجبت جهود الممارسين في تلك الفترة، الذين يعتبروا رواد بدايات او رواد تـأسيس، الذين واصلوا المسيرة وحملوا الريشة، حين لم تكن هناك قاعات عرض، ولا اهتمام مجتمعي، ولا دعم مؤسسي، بل كانوا وحدهم، يزرعون البدايات في أرض لم تُمهَّد بعد، لإرواء شغفهم وعشقهم للفن، ومن هذه الإسقاطات والتجاهل، يتبنى هذا الكتاب، بتصحيح المعلومات المغلوطة، بالسردية والشواهد البينة، بالتأكيد على أن نشأة الفن التشكيلي منذ تلك الفترة، وامتدادا تاريخيا للفن التشكيلي السعودي المعاصر، في سبيل ترسيخ تاريخه، ويحتفي المجتمع التشكيلي بهذا التاريخ المجيد، ليؤكدوا جميعا انهم على الدرب سائرون، بحول الله، ثم بجهود الدولة الممثلة في وزارة الثقافة، ليكونوا أكثر حبا وولاءً لهذا الفن، لتحقيق نهضة فنية تشكيلية، تواكب ركض العالم، والعمل الى بنائية واضحة المعالم، ورؤية فنية صحيحة، منبثقة من قيم وثوابت هذا الوطن، لرسم الماضي والحاضر والمستقبل بألوان قوية ناصعة النقاء، يدركها الفرد والمجتمع، وتتكامل على ضوئها الجهود بين المؤسسات التثقيفية فيه، وتنبثق منه الخطط والأهداف الواضحة والإستراتيجيات والمخرجات الجادة، كما يُبرز الكتاب اهم المحطات خلال هذه المسيرة، متتبعًا مراحل تطوره ودور الأنشطة الفنية المعاصرة وعلاقتها بالمشهد العالمي، وتأسيس الهيئات والمؤسسات المعنية، مرورًا بتنظيم المعارض والفعاليات والبيناليات والملتقيات الدولية، وانتهاءً بوصول التشكيل السعودي إلى خارطة الفنون العالمية، مشددًا على أهميـــــــة الفـــــــــــــــــــــن التشكيلي، كرافد تنموي وثقافي يسهم في تعزيز الهوية الوطنية والاقتصاد الإبداعي. ويتضمن الكتاب أيضا بيوغرافيا لــ 670 فنانا من فرسان التشكيل السعودي، بنبذة مختصرة (الاسم ومكان وتاريخ الميلاد واخر مؤهل دراسي ونموذج من اعماله الفنية) للتعريف بهم، حتى لا تختفي مع زحام العصر وتندثر تحت ركام النسيان، كمرجعية معتمدة، لأن الكثير من هذه الأسماء لا يعرفهم الناس، ولن يتم ذكرهم في أي كتاب قادم، مرتبين ابجديا، دون الأخذ في الاعتبار المكانة الفنية أو التصنيف، والإسهاب في السيرة والمسيرة والإنجازات، و67 فنانا ممن فارقوا من هذه الدنيا بأجسادهم، وكانوا علامات مضيئة في زمنهم، وتركوا إرثا فنيا مُخلدا لذكراهم وشاهدا على إبداعاتهم، و115 فنانا من أهم الفنانين التشكيلين بالمملكة والذين حملوا لواء الفن التشكيلي السعودي ولهم النصيب الأكبر والمساهمة الفعالة المثمرة على امتداد مسيرته -كاقتراح من المؤلف - ليكون مشروعا لمتحف الفن التشكيلي السعودي المعاصر، ويصبح جزءا من برامج السياحة كما هي المتاحف في دول العالم، للتعريف بهم وحفظ مكانتهم، وتوثيق تجاربهم، في ظل غياب مرجعيات رسمية ومعايير موحّدة للتوثيق، والحاجة الماسة لقاعدة بيانات الفنانين، قبل ضياعها، لأن التاريخ لا يُكتب وحده، ولا يحتفظ إلا بما يُدوَّن، والجدير بالذكر ان هذا الكتاب بدعم ورعاية الدكتور عبدالله دحلان، رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة،. والذي يعتبر من أبرز المهتمين والداعمين، للحراك الثقافي والفني والإبداع الفكري السعودي. وسيتم توزيع الكتاب مجانا :- في جدة / جمعية الثقافة والفنون بجدة،، وجامعة الأعمال والتكنولوجيا، ولدى المتعهد حسين باجابر وجوال (057704658) ومكتبة جامعة جدة، وفي الرياض لدى (جاليري ارم) بمركز الموسى.