«المسافر» الذي راح وعاد.
فكرة ( السفر) فكرة عميقة ، إذا أخذناها بتأمل وقراءة متأنية. فهي ( رواح ) ربما يكون بدون عودة، يحجبها الموت، أو الغياب الطويل، جراء الانقطاع عن التواصل، وفقدان المكان والأثر. فرحلة ( الابتعاث) سفر طويل مؤقت ، وربما استقرار، وانقطاع التواصل بين الإخوة والأحباب، سفر آخر أيضاً. ونهايات العلاقات الأسرية والزوجية، سفر طويل كذلك ورحيل الغالين عن الدنيا، سفر بدون عودة مأمولة. يصاحب السفر الحزن لوم النفس الطويل، في التقصير ، أو الحنين المتواصل للحظات جميلة انتهت. الأمير (بدر بن عبدالمحسن) رحمه الله كاتب نص (المسافر)، والذي غادرنا ومازلنا نحن إلى صوته، عمّق من مأساة النص وخلوده: (لاتلوح للمسافر المسافر راح لاتنادي للمسافر المسافر راح) لحظة يأس دبت، لاينفع معها نداء ولا تلويحة باليد، فقد مضى المسافر، ومضت معه كل الذكريات السعيدة، ولم يبق إلا الحزن وحيدا، يركض خلف عربات الزمن المسرعة. (ياضياع أصواتنا في المدى والريح والقطار وفاتنا، والمسافر راح) لم يعد لأصواتنا أي أهمية ، لقد ضاعت مع طول الزمن، وريح الغياب التي هبت من كل جهة. القطار، استعمله البدر وسيلة لنقل المسافر أو المسافرة الذي ذهب دون وداع، ولا اخطار بزمن السفر ، كأنما اختار زمن رحلته وقطاره الخاص به، الذي لم ينطلق من المحطات التي نعرفها، ونلحق بأزمانها. ويبدو أن القطار أكثر حميمية في رحلة الرحيل، حيث قرب المسافة بين العربات المارة، والمُودع، الذي تابع بدقة من بدءالحركة، وحتى اختفاء آخر عربة عن النظر. والتأكيد على فوات القطار، في كل مقطع، تأكيد على حقيقة اللحظة الراهنة التي لن تعود أبداً. ننتقل إلى صورة درامية أكثر جمالاً وحزناً، في ذات الوقت.. يخاطب الشاعر ( البدر) قلبه، كصاحب وفي يتجاوب مع ألمه، ويحس به، في الموضع الأول يقول:- يالله ياقلبي تعبنا من الوقوف مابقى في الليل نجمة ولا طيوف. ذبلت أنوار الشوارع، وانطفى ضي الحروف ذهب الليل بكل نجومه وطيوفه ، دعنا نذهب، ويعود في المرة الثانية ليقول لرفيقه الوفي الذي يصاحبه في رحلة التوديع:- يالله ياقلبي سرينا ضاقت الدنيا علينا بهذا الليل الطويل، والانتظار البائس الذي لا طائل من ورائه ثم تأتي الصورة الأوسع والأكبر في التأمل في المدينة التي غادرها المسافر، كيف ستصبح على يوم جديد بعد ليل طويل وحزين (ما أدري باكر هالمدينة وش تكون النهار والورد الأصفر والغصون) إذن المسافر رحل في الخريف، حيث تذبل الطبيعة، ويكون الورد أصفراً حينها.والغصون التي تنحني وقتها، وكأنما الانحناءة تعبير عن الحزن الكامن فيها، تجاوباً مع الحالة العامة للشاعر. وفي اللوحة الأخيرة (هذا وجهك يالمسافر لما كانت لي عيون) وكأنما يرى المسافر قبل أن يرحل متجسداً أمامه،بعيونه التي تعرفه جيداً (وينها عيوني حبيبي سافرت مثلك حبيبي) عيونه التي عرفت حبيبه ، سافرت معه، وفقد معها النظر الذي كان يرى جمال المسافر. لتعود الصورة التي جملت البداية لتكون لوحة النهاية (القطار وفاتنا والمسافر راح راح راح) في صوت متكرر يبدأ يغيب شيئاً فشيئاً، يرسم ملامح الغياب، كشمس مالت إلى الأفق البعيد، توافق هذا النص مع غياب عدة سنوات عن المسرح لراشد الماجد، الذي خلف شائعات كثيرة مع ابتعاده عن الوطن، في اقامته المؤقتة. وكل هذا الطقس الاجتماعي والعاطفي، جعل من عودة راشد متمثلة في نص المسافر، الذي مثله خير تمثيل. *مستشار إعلامي