حين يُطرح التخصيص اليوم في قطاع التعليم بوصفه فكرة جديدة أو مسارًا إصلاحيًا واعدًا، فإن الجديد فيه لا يكمن في دخول القطاع الخاص، بقدر ما يكمن في التحول الجوهري في دور الوزارة ذاتها. فالقضية ليست من يُدير المدرسة، بل من يُعرّف معنى التعليم، ومن يحرس جودته، ومن يملك أدوات الحكم على أثره. عند هذه النقطة تحديدًا، يتحول التخصيص من إجراء إداري إلى اختبار لقدرة الوزارة على أن تكون ذكية في الحكم، لا مثقلة بالإدارة. إن أحد أخطر أشكال الالتباس في النقاش الدائر حول التخصيص هو التعامل معه بوصفه حلًا مباشرًا لمشكلات التعليم، بينما هو في حقيقته إطار حوكمة لا ينتج أثرًا بذاته، بل يعكس جودة التصميم الذي يُدار من خلاله. فالتجارب الدولية تُظهر بوضوح أن خصخصة التعليم أو إسناده للقطاع الخاص لا تحمل قيمة ذاتية؛ إذ يمكن أن ترفع الكفاءة التشغيلية دون أن تمس جوهر التعلم، إذا انصبّ الاهتمام على ما يسهل ضبطه إداريًا، لا على ما يصعب بناؤه تربويًا داخل الصف. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن مشاركة القطاع الخاص قد تحسّن الإدارة والانضباط، لكنها لا تضمن تحسن نواتج التعلم ما لم تكن الوزارة قوية في التنظيم والقياس والمساءلة. من هنا، فإن السؤال المركزي الذي ينبغي أن يتقدّم كل نقاش داخل الوزارة ليس: كيف نُسنِد المدارس؟ بل: ما الذي يجب أن يبقى بيد الوزارة مهما تغيّر المشغّل؟ فحين تتخلى الوزارة عن التشغيل المباشر، لا يفترض أن تتخلى عن تعريف التعليم الجيد، أو عن صياغة نواتجه الوطنية، أو عن وضع معايير التدريس، أو عن امتلاك منظومة قياس مستقلة. هذه العناصر ليست تفاصيل فنية أو إجرائية، بل تمثل جوهر السيادة التعليمية، وكل تراجع عنها يفرغ التخصيص من معناه، ويحوّله من شراكة واعية إلى تفويض مفتوح وغير مسيج . غير أن الخطر الأعمق لا يكمن في فقدان السيطرة الشكلية، بل في منطق الحوافز الذي يحكم العلاقة مع القطاع الخاص. فالمشغّل لا يعمل وفق النوايا الحسنة، بل وفق ما يُكافأ عليه. فإذا بُنيت العقود على مكافأة الامتثال والانضباط والتقارير، فستكون هذه هي المخرجات. أما إذا صُممت الحوافز لتكافئ تحسن التعلم، ونمو القدرات، وجودة التدريس، ومعالجة التعثر، فإن القطاع الخاص يمكن أن يتحول من مجرد منفذ إلى شريك في الأثر. وتحذر دراسات من أن خصخصة التعليم حين تُدار بعقلية إدارية صرفة، تنتهي غالبًا إلى مدارس مستقرة ظاهريًا، ضعيفة معرفيًا في العمق. وهنا تتضح النقلة الذهنية والمؤسسية المطلوبة داخل الوزارة: الانتقال من سؤال “هل التزم المشغّل؟” إلى سؤال أكثر جوهرية وجرأة: “هل تعلّم الطلاب بصورة أفضل؟”. هذه النقلة ليست لغوية ولا شكلية، بل تتطلب أدوات قياس مختلفة، وثقافة مساءلة أكثر نضجًا، واستعدادًا لتحمل نتائج غير مريحة أحيانًا. فالتخصيص لا ينجح حين تُكافأ السهولة وسرعة الإنجاز، بل حين تُكافأ النتائج المعقّدة بعيدة المدى، مثل نمو التعلم الحقيقي، وتحسن الطلاب المتعثرين، وجودة التدريس داخل الصف. مع إدراك أن التمويل المرتبط بالنتائج التعليمية هو الفارق الجوهري بين خصخصة ترفع الأداء وخصخصة تعيد إنتاج السائد بصورة أكثر تنظيمًا. وفي قلب هذه المعادلة يقف المعلم بوصفه الاختبار الحقيقي لصدق أي إصلاح. فالتخصيص الذي ينظر إلى المعلم كتكلفة تشغيلية قابلة للخفض، قد يحقق وفورات مالية قصيرة الأجل، لكنه يقوّض جوهر العملية التعليمية على المدى المتوسط والطويل. فلا يمكن لنظام تعليمي أن يتحسن بينما تتدهور شروط عمل معلميه، ويضعف استقرارهم المهني، ويتقلص استثمارهم في التطوير. وتؤكد منظمة العمل الدولية أن جودة التعليم ترتبط ارتباطًا مباشرًا بشروط عمل المعلمين وتطويرهم المهني، لا بالبنية الإدارية وحدها. أما العدالة التعليمية، فهي الاختبار الأخلاقي الأشد حساسية في مسار التخصيص. فالسوق، بطبيعته، يميل إلى تحسين ما هو أسهل وأقل كلفة، وترك ما هو أكثر تعقيدًا واحتياجًا. ولذلك، فإن حماية الطلاب المتعثرين والمناطق الأضعف ليست نتيجة تلقائية للتخصيص، بل قرار واعٍ يجب أن يُصاغ في العقود، ويُقاس في المؤشرات، ويُحاسب عليه بصرامة. وتحذر منظمة اليونسكو من أن خصخصة التعليم دون أطر إنصاف واضحة، قد تؤدي إلى تعميق الفجوات بدل تقليصها. في المحصلة، لا يُقاس نجاح التخصيص بعدد المدارس المُسنَدة، ولا بسرعة نقل التشغيل، بل بقدرة الوزارة على أن تكون أكثر وضوحًا في المعنى، وأكثر صلابة في القياس، وأكثر عدلًا في الأثر. فالتخصيص ليس نقلًا للمسؤولية، بل إعادة تعريف لها. وهو لا ينجح لأن القطاع الخاص كفء بالضرورة، بل لأن الوزارة طرحت بصورة أذكى: تحكم دون أن تُدير، وتقيس دون أن تُنفّذ، وتحمي جوهر التعليم بينما تغيّر آلياته. ذلك أن التخصيص، في جوهره، ليس قرارًا إداريًا، بل اختبار لقدرة الوزارة على الانتقال من إدارة التفاصيل إلى هندسة المستقبل. وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى التخصيص بمعزل عن التحولات العالمية العميقة التي تعيد تعريف معنى التعليم ذاته. فالنقاش الدولي لم يعد يتمحور حول إدارة المدرسة أو كفاءة تشغيلها، بقدر ما يتركز على قدرة الأنظمة التعليمية على إعداد الإنسان لعالم سريع التحول، يتغير فيه سوق العمل بوتيرة غير مسبوقة، وتتصاعد فيه أهمية مهارات القرن الحادي والعشرين، مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعلم المستمر، والقدرة على التكيف مع التقنيات الجديدة. كما يتزايد الاعتماد على التعليم الإلكتروني، والأنماط الهجينة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم، ليس بوصفها أدوات مساندة فحسب، بل كجزء من بنية التعلم المستقبلية. من هنا، فإن التخصيص يفقد جزءًا كبيرًا من مبرراته إذا اقتصر على تحسين التشغيل، ولم يتحول إلى رافعة لتسريع هذا التحول المعرفي. فإسناد التعليم إلى القطاع الخاص لا ينبغي أن يُقاس بقدرته على إدارة اليوم الدراسي، بل بقدرته على مواءمة التعليم مع متطلبات المستقبل وسوق العمل، وربط التعلم بالمهارات القابلة للنقل، وبناء مسارات تعليمية أكثر مرونة، واستثمار التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي بصورة أخلاقية وفاعلة. وعليه، فإن أحد الاختبارات الحاسمة لنضج التخصيص يتمثل في ترجمة هذه التحولات العالمية إلى بنود تعاقدية واضحة؛ بحيث لا يُنظر إلى مهارات القرن الحادي والعشرين، والتعليم الإلكتروني، والذكاء الاصطناعي، وربط التعليم بسوق العمل بوصفها شعارات أو مبادرات جانبية، بل كالتزامات تعاقدية على المشغّل الخاص، تُقاس وتُحاسب ضمن منظومة الأداء. عندها فقط يصبح التخصيص أداة لتجديد التعليم، لا مجرد إعادة ترتيب لأدواره. بهذا المعنى، يغدو التخصيص فرصة تاريخية أمام وزارة التعليم للانتقال من إدارة مدرسة القرن العشرين إلى هندسة تعليم القرن الحادي والعشرين؛ تعليم لا يُقاس بانتظامه فقط، بل بقدرته على تمكين المتعلم، ومواكبة الاقتصاد، وبناء إنسان قادر على التعلم والعمل في عالم تحكمه المعرفة والتقنية. وفي هذه النقطة تحديدًا، يتجاوز التخصيص كونه إجراءً إداريًا، ليصبح قرارًا استراتيجيًا يمس مستقبل التعليم والاقتصاد معًا. * مستشار تعليمي وتربوي