النحاتة والفنانة رجاء الشافعي:

الخط العربي جزء من تكويني المبكر .

الفنانة السعودية رجاء الشافعي؛ نحاتة وفنانة تشكيلية شاركت في ملتقى طويق للنحت لعدة مرات وانجزت اعمالا مبهرة تستحق التقدير، كما شاركت في العديد من المشاركات الدولية والمحلية، ومنذ انطلاق معرضها الأول (مقامات) اصبحت تلفت الانظار باحترافية كبيرة، وضعت قدمها بوصفها فنانة تعي وتفهم الفن في سياقه التاريخي بعمق ثم تعيد صياغته بلغة بصرية معاصرة نابعة من تجربتها الخاصة لا تقليد ولا استنساخ على حد قولها. •ما الذي يمكن ان نقوله في النحت ولا نستطيع قوله في التشكيل؟ الامر ليس مايمكن أن يقال هنا وما لا يمكن قوله هناك إنما هي خامة للتعبير ففي أعمالي خصوصا التجربة الحالية أحاول فيها رصد المشاعر الانسانية، فحينما أشرع بالتعبير كفكرة أولية، أجد نفسي تلقائيا أنحى لاختيار الوسيط فبعض المشاعر، في حينها أعتقد ولظروفها، تختار الرقة والتعبير الهادئ، تحتاج لان تكون صورة بصرية تمثل باللون والرمز، وسطح يحتويها، تحتاج أن تكون صورة بصرية فقط تتباهى أمام الجمهور، في حين أن بعض المشاعرلا يمكن حصرها مؤطرة على سطح، بل تحتاج أن يكون لها جسد وحضور تبنى من خلال الكتلة والفراغ، تشغل فراغا حقيقيا يتفاعل معها المتلقي في مساحة مشتركة. •على قدر الآثار التاريخية العظيمة في بلادنا على قدر غياب وجود المنحوتات في الشوارع والطرقات كما عند الرومان والمصريين؛ هل حلمت يوما بوضع عمل لك بالتعاون مع الجهات المختصة في أحد الاماكن العامة؟ حقيقة نعم،حلمت به وعملت لأجله وانتظرته بيقين تام، واليوم أشهد على ما كان فكرة بعيدة أصبح حقيقة ملموسة. •“ العادية طريق صخري يمكنك السير فيه لكنك لن تجد الأزهار هناك” فان غوخ؛ حدثينا عن مسيرتك وهل كانت طريقا صخريا ام كانت رحلة مليئة بالزهور؟ لم تكن مسيرتي طريقا صخريا ولا هي مليئة بالزهور، كانت طريقة عادية يسلكها كثيرون لكنها استثنائية في طريقة تعاملي معها، فما مررت به من تحديات والتي قد يراها البعض إحباطات، اخترت أن أتعامل معها كدافع للتحدي والانجاز فزرعتها أنا زهورا. منذ البداية آمنت بالعمل بصمت وهدوء، بالتركيز على ما أملك، وبالاجتهاد المستمر. بحثت، تعلّمت، وبنيت تجربتي خطوة بخطوة دون ضجيج وهرولة مذلة للظهور، كنت ومازلت أعيش متعة الاستمتاع بما أنجز(حديقتي المليئة بالزهور). • إلى أي حد ممكن أن تدعم معرفتك باللغة الانجليزية مشروعك الفني وانت خريجة ادب انجليزي في القراءات والمعرفة؟ قراءتي الأخرى سبقت دراستي للغة كما دونت في الشهادة لكنها كانت في الأدب الإنجليزي في كل مناهجها، كلاهما متعة ونعمة أسهمت بشكل ما في تشكيل رؤيتي كفنانة تشكيلية، حيث تعلّمت من النص كيف أترك فراغًا لخيال المتلقي وتأويله، ومن اللغة كيف أن المعنى شعور قبل أن يكون تعريفا. هذا الوعي انعكس على أعمالي التي تميل إلى التجريد والتعبير عن الحالات الشعورية، حيث يصبح الشكل لغة أخرى موازية للكلمات، علاوة على ذلك امتلاك اللغة الإنجليزية كان عاملا مساعدا في رحلتي للبحث في الفن وعن الفن بكافة أشكاله، خصوصًا في فترة كانت فيها المصادر العربية عن الفنون محدودة. من خلالها اطّلعت على معارض، وبيانات فنية، وحوارات مع فنانين، وقراءات بصرية ، اللغة فتحت لي نافذة بحث واسعة للاطلاع على تجارب فنانين من ثقافات مختلفة، كانت لازمة لتكوين أرضية معرفية تساعدني على فهم تطور الفن عالميًا، ليس بهدف التقليد، بل لتوسيع الوعي البصري وبناء ثقافتي ومشاريعي الخاصة. • في مشاركتك بمهرجان طويق للنحت تميزت بعملين (حدود السماء) و (علاقات) ، حدثينا عن العملين وما يشكلانه في مسيرتك الفنية؟ شاركتُ في ثلاث نسخ من ملتقى طويق للنحت، وكان لكل مشاركة خصوصيتها وأثرها في مسيرتي الفنية. في أول مشاركة قدّمت عمل «علاقات»، من الرخام العماني بارتفاع 3,10 متروهو عمل يجسّد الحالة الشعورية لارتباط الإنسان بالمكان، وثبات الأمكنة رغم تغيّر الأزمنة والتاريخ الذي يمرّ عليها والشخوص الذين مروا بها. لهذا العمل وقعٌ خاص في قلبي؛ إذ كان باكورة انخراطي في الملتقيات الفنية، وأول تجربة لي على هذا المقياس الحجمي، كما شكل أول لقاء مباشر لي مع نحاتين من خارج المملكة. كل شيء في تلك التجربة كان جديدًا ومختلفًا، وكانت بمثابة اختبار حقيقي لإثبات ذاتي ضمن مشهد نحاتي الأماكن العامة، وفتحت لي بعد ذلك العديد من الأبواب والفرص.. في ملتقى طويق 2023، دخلت بثقة أكبر، وفهم أعمق. قدمت عملا بعنوان «لنزهر معًا»، بارتفاع مترين تقريبا، جسدت فيه جوهر العلاقة بين الشريكين، حيث يكون الدعم المتبادل وقودًا لتحقيق الأحلام والتطلعات. كان العمل تحديًا شخصيًا لي من حيث التصميم والخامة ، تكوّن العمل من أربع قطع تتكامل لتشكّل الشكل النهائي بخامتين متضادتين حجر الرياض اللين وحجر الجرانيت القاسي . هذا العمل نقلني إلى مستوى آخر، حينما ادركت لاحقا ان العمل تجاوز حدود الملتقى وانه كان مادة للتداول بين نحاتين محترفين يتسائلون عمن يقف خلف هذا العمل. أما في مشاركتي الأخيرة في ملتقى طويق، فقد قدّمت عمل «حدود السماء»، بارتفاع 2,40 مترا وهو عمل أعتز به كثيرًا؛ لأنه يتحدث عن المملكة وطموحها اللامحدود. جسّدتُ المملكة من خلال الشكل المربّع لما يحمله من دلالات القوة والثبات، وهي سمات تنعكس بوضوح على واقع المملكة. في المقابل، أتخذ أحد أضلاع الشكل هيئة لولبية، في إشارة إلى مرونة المملكة وقدرتها على التجدّد واتساع آفاق طموحاتها. ويقف العمل على إحدى زواياه، في دلالة على أن المملكة متجذّرة في عاداتها وتقاليدها وتاريخها، وفي الوقت ذاته، قادرة على الموازنة بين الأصالة والمعاصرة.. في هذه النسخة دخلتُ بيقينٍ بأن هذا مكاني الطبيعي؛ دون توتر أو ضغط لإثبات شيء. كنت أعمل بحرية وهدوء واستمتاع، بعد أن اعتدت المشهد وتجذّرت التجربة. ففي النسختين السابقتين ثبّتُّ الأوتاد، ومن هنا انطلقت بثقة، أعمل بإحساس الفنان الذي يعرف طريقه ويعمل بهدوء و اتقان. • منذ معرضك الأول مقامات وانت تشكلين فارقا جماليا وحرفية عالية في مشاركاتك مع أنك مقلة في عمل معارضك الخاصة ؛ لماذا هذا التخفف في الحضور؟ نعم، أعترف أنني مذنبة في ذلك؛ فبعد كل هذه السنوات كان من الطبيعي أن يكون لي أكثر من معرض واحد. غير أن هذا التخفف في الحضور، كما أشرت إليه، منحني مساحة للبحث والتفكير، والعمل ببطء ووعي، وهو ما أعتبره جوهر الممارسة الفنية. كما أنني انشغلت طويلا بالتجريب والعمل، دون أن ألتفت كثيرا إلى مرور الوقت أو إلى التفكير بإقامة معارض خاصة بقدر انشغالي بتطوير التجربة نفسها. ويعود ذلك أيضا إلى الحرص المفرط لدي، يسكنني هذا الهاجس أن يكون كل معرض مختلفا عن الآخر، يحمل تجربته الخاصة، ويقدم للجمهور ما يفاجئه ويحرك فضوله. أنا أؤمن بأن حضور الجمهور التزام متبادل، وبأن الجهد الذي يبذله ليأتي ويشاهد المعرض يستحق أن يقابل بتجربة صادقة ومحترمة، تحترم عقله وذائقته، وتقدر وعيه. لذلك أفضل التمهل على التكرار، ونأمل أن تتحقق هذه الرغبة قريبا. •مشوار طويل يقترب من ربع قرن، العديد من المشاركات الداخلية والخارجية، البحرين، الكويت، مصر، لبنان. ماليزيا، المغرب ، الاردن والولايات الامريكية والعديد من الجوائز ؛ كيف تقرأ الشافعي هذه المسيرة وإلى اين تنظر الآن؟ أتعامل مع مسيرتي الفنية بوصفها تجربة تراكمية أكثر من كونها سجلًا للإنجازات. كل مشاركة، وكل سفر، وكل احتكاك بثقافات وجماهير مختلفة، شكل لبنة في فهمي الأعمق للفن ولدوري كفنانة. هذه الرحلة علمتني أن الفن ليس إنتاجا فحسب، بل رؤية وحوارا حيا مستمرا. اليوم أنظر إلى المستقبل برغبة في الذهاب أبعد مما أعرف وتعميق التجريب والبحث، وخوض تحديات أكبر لاكتشاف إمكانيات كامنة لدي، لربما لم أتعرف عليها بعد، والذهاب بالتجربة إلى أقصى ما يمكن، من خلال أعمال تحمل قيمة فكرية وجمالية قادرة على خلق تواصل حي مع الجمهور. • رافقك الخط العربي في معظم الأعمال حتى راح البعض يقول ربما تتحول الفنانة رجاء من التشكيل للخط العربي وكلاهما فن له جمهوره؛ ما الذي يربطك بالخط العربي وما سر هذا التعلق؟ الخط العربي جزء من تكويني المبكر. في المدرسة بعد ما لفت الرسم الانظار إلي، جاء دور الخط ليؤكد حضوره أيضا، عُرفت بخط النسخ، فكانت تُسند إليّ مهام الصحف الجدارية والنشرات المدرسية. مادة الخط كانت من أحب الحصص إلى قلبي، لما تمنحه من هدوء داخلي وشعور بالإنجاز. هذا الشغف رافقني طبيعيًا اثناء رحلتي الفنية، ومع شغفي بالاثنين معا (الرسم والخط)، و بعد امتلاكي لكافة المصادروالامكانيات، قررت ان أضعهما معًا على اللوحة، بدافع داخلي للتعبير عن أفكار كنت أبحث لها عن شكل بصري يرضيني. استمرت هذه التجربة قرابة تسع أو عشر سنوات توقفت بعد ان اشبعت التجربة بحثا واكتشافا، شعرت حينها أن الوقت مناسب لتجارب أخرى تاركة للخط العربي مكانه في قلبي . • الوعي بين الأصالة والمعاصرة تحتاج إلى وعي مضاعف في الفن؛ كيف يتسنى لنا ذلك؟ الوعي بين الأصالة والمعاصرة في الفن يحتاج فعلا إلى وعي مضاعف، وعي بالتراث بوصفه خبرة ومصدر إلهام وليست تراثا جامدا، ووعي و فهم للحظة المعاصرة باعتبارها أفقا مفتوحا للتجربة و البحث و ليست قالبا جاهزا للتكرار و التقليد. يتحقق ذلك حين لا نتعامل مع الأصالة كحالة دفاع، ولا تفهم المعاصرة كحالة قطيعة، بل كحوار مستمر. الفنان الواعي هو من يفهم سياقه الثقافي والتاريخي بعمق، ثم يعيد صياغته بلغة بصرية معاصرة نابعة من تجربته الخاصة، لا تقليد ولا استنساخ. هذا الوعي يتطلب شجاعة في السؤال والنقاش والإنفتاح على التجريب، مع الحفاظ على هذا الحس الداخلي الذي يربط العمل ببيئته. عندها يصبح الفن ممارسة فعلية تتجاوز الاستدعاء السطحي للزمن و اجترارأشكاله ورموزه. •شاركت في ملتقى طويق للنحت، حدثينا عن هذه التجربة وأبعادها الفنية على المدى البعيد؟ شكلت مشاركتي في ملتقى طويق تجربة جميلة وملهمة، طالما حلمت بالمشاركة في مثل هذه الملتقيات لما تتيحه من مساحة مكثفة للمعرفة والحوار، وهو ما تحقق بالفعل. ملتقى طويق لم يكن تجربة إنتاج بقدر ما كان تجربة وعي، اذ أسهم في تعميق إدراكي لمسؤولية العمل الفني في الفضاء العام، و رسخت إيماني بأهمية أن يكون الفن فعل مشاركة وتأمل. كما عززت هذه التجربة قناعتي بأن العمل الفني لا ينتهي عند اكتماله ، بل يبدأ أثره في تلك اللحظة، وهو أثر سيظل حاضرا في أعمالي القادمة من حيث الوعي بالسياق، والتعامل مع العمل الفني بوصفه فعلا حوارا مفتوحا لا منتجا نهائيا. •يكاد العالم الجديد أن يبدأ، ماهي مشاريعك واهدافك في العام الجديد 2026م؟ المشاريع والأهداف كثيرة، ولا أراها مرتبطة بعام يمر وآخر يبدأ. كل يوم تشرق فيه الشمس يحمل أهدافه وخططه التي تُرسم في اليوم الذي قبله، وهكذا أرى الأمور. وكما قلت، الأهداف كثيرة، وكعادتي أحب الصمت والعمل بعيدًا عن الأضواء، بلا تصريحات أو حديث، ونسأل الله التوفيق.