( فيلم هامنت.. الكتابة كفعل تطهر ).

هل نتشافى حين نكتب أم أننا نتطهر بالكتابة؟ هل وهب المبدع دون غيره ملكة خاصة يستطيع بها تجسيد آلامه واستحضارها إلى الواقع المادي، على هيئة موسيقى أو قصيدة، أو رواية أو نص مسرحي كما فعل شكسبير، هل يستطيع الكاتب أن يطرد أشباحه ويكنسهم إلى الخارج عن طريق الكتابة؟؟ في عام 1596 فقد “ويليام شكسبير” طفله “هامنت” لم يعثر في ما ترك “شكسبير” أي مرثيات أو رسائل حزن أو حتى ما يدل على وجود هذا الشرخ الأبوي في أعماقه، لكن و بعد سنوات قليلة يكتب الأب نصه المسرحي تحت اسم “هاملت” و كأن الاسم رفض أن يُدفن مع صاحبه فانتقل من الجسد إلى اللغة، من الطفل إلى الشخصية على المسرح، لم يستطع “ويليم” اللحاق بطفله “هامنت “ وإلقاء النظرة الأخيرة عليه قبل أن ينتقل إلى الضفة الأخرى، رغم كل محاولاته للوصول مبكراً لكن الظروف حالت بينه وبين لحظة العناق الأخيرة، ليتفاجأ عند وصوله أن ابنه المحبب فارق الحياة بعد أن أحرقته الحمى وأفناه المرض، لتبقى غصة اللحظة والفقد في صدره إلى الأبد، لم يستطع الأب أن يتخلص من وجعه، تملكه الحزن فرحل بعيداً، بينما لم تكن الأم بحاجة إلى وسيط لتعبر عن حزنها، اختار الأب أن يهرب من وجعه ويسافر بعيدا .. فتحمل بذلك وزر كونه أدار ظهره للعائلة في أكثر أوقاتها صعوبة، وبينما كانت العائلة تعاني الفقد كان يلجأ إلى الكتابة في محاولة للنأي بآلامه وليسكب هذا الوجع في نص مسرحي ثائر، يستحضر فيه الموت والفقد والظلم وكأنها محاولة للحصول على عناق أخير مع طفله “هامنت” . هكذا تمت معالجة رواية “هامنت” سينمائياً والرواية للكاتبة (ماغي أوفاريل) ومنها استُلهم الفيلم الذي يحمل ذات الاسم، والفيلم لا يروي قصة “شكسبير”، بل قصة العائلة التي نُسيت، والفيلم منذ بدايته يحمل روحاً أنثوية طاغية بمشاهد الغابة والمرأة الغارقة كلياً في عوالمها حتى ننتقل معها من الحب إلى الزواج ثم الأمومة وشغف الأمومة، لكن المشهد الأخير والحاسم تهيمن فيه الروح الأبوية، وما بين أنوثة الغابة و عوالمها وذكورية المسرح وفضاءاته، يحاول كليهما “اجنيس” و”وليم” إيجاد مخرج من ضجيج العالم، وطريقة للعيش بعيداً عن الصخب الإنساني العادي، ليكون المسرح والغابة آداة كل منهما ودليله للعبور إلى عوالم أخرى، و تختار الرواية ثم الفيلم، أن تضع الأم “أغنيس” في المركز لا بوصفها زوجة الكاتب، بل بوصفها من عاش الفقد في الجسد والزمن معًا، من «Hamnet» إلى «Hamlet»، لم يُكتب الأدب لينسى الفقد بل كي لا يموت مرّتين، و بعض الأعمال لا تُشاهدها بل تحتضنها، الفيلم ليس سيرة أدبية ولا معالجة تقليدية لتاريخ “شكسبير” بل محاولة شديدة الرهافة لإعادة تخيّل ما لم يُكتب، كيف يعيش الأبوان بعد فقد ابنهما؟ وكيف يمكن للفن أن يكون شكلًا من أشكال البقاء لا التعافي، ولأن الأمومة تجعل من فقد الطفل حدثًا أكثر من كونه دراميًا فقط بل انكسارًا في بنية العالم نفسه، الفيلم أعاد تخيّل حياة عائلة “شكسبير” من زاوية غائبة عن التاريخ زاوية الأم و الفيلم لا يهتم “بشكسبير” العبقري بل بالزوج والأب والإنسان الذي فقد ابنه و اللافت أن الرؤية تتعمّد عدم تسمية “شكسبير” باسمه و عدم تمجيد عبقريته وإبقاء الحدث المركزي هو غياب الطفل. الفيلم من إخراج “كلوي تشاو” و بطولة “جيسي باكلي” في دور “أغنيس” و “بول ميسكال” في دور الأب و الطفل “نواه جوب” في دور الطفل “هامنت” . اللغة البصرية للفيلم شاعرية و طبيعية و خالية من الاستعراض، والطبيعة هنا ليست خلفية بل كائن حي ومتفاعل، أما الضوء فكان ناعماً و كأنه يخاف إيقاظ الحزن، ويتحول إلى رمادي وداكن في مشاهد الأب بعد عودته إلى لندن وكأنه انعكاس لحالة الحزن والوجع الذي يحملهما داخلة فالعالم في عينيه ليس هو العالم الذي كان يعرفه قبلاً، أما الكاميرا فتقترب من الوجوه لتصغي فالألم لا يشرح هنا بل يتنفس. “أغنيس” ليست أمًا عادية في هذا العمل هي امرأة على تماس مع الطبيعة مع الإحساس مع ما لا يُقال، تشعر بالفقد قبل وقوعه، وكأن الأمومة هنا ليست رعاية فقط بل هي حدس دائم. حين يموت “هامنت” لا نرى انهيارًا هستيريًا، بل يخيم الصمت وتظهر عيني الأم وكأنهما نسيا معنى الغد ومعنى الأمل عينان لا تبحثان عن المستقبل وهذا أدق تصوير للفقد الأمومي، الألم يُفرغ الزمن من معناه، أما الأب في الفيلم لا يُقدَّم ككاتب عظيم إنما كإنسان كان غائباً في وقت المرض، لكنه حاضر بالذنب و عاجز عن مواساة زوجته، مما يخلق الفجوة بين الزوجين بعد موت الطفل فجوة وجودية، فالأم تبقى مع الألم بينما يحاول الأب الهرب منه، وعندما يكتب لاحقًا “هاملت”، لا يبدو الأمر إنجازًا أدبيًا بقدر ما هو محاولة متأخرة لإعادة تشكيل ما فُقد، فاسم “هامنت” يتحول إلى “هاملت” و الطفل يصبح شخصية والغياب يصبح نصًا، و هنا لا تعود الكتابة فعل إبداع وحسب بل طقس حداد مؤجّل وتوظيف التجسيد كتشافٍي فالألم مرأي و يُمنَح شكلًا، بل ويُشارك وهذا في منطق الفيلم والفنون أقصى ما يستطيع الفن فعله، «Hamnet» ليس عن شكسبير، بل عن أمٍّ فقدت ابنها وأبٍ حوّل الفقد إلى لغة، وهنا تتجلى الكتابة كانتصار على الشقاء، وسفر إلى البعيد، وكأن السؤال الأهم هنا في نهاية الفيلم هل نكتب لأننا شُفينا؟ أم لأننا نحاول أن نحول دون موت من نحب؟