الشاعر جبران قحل في أوبريت عسل جازان..

فهم عميق للموروث وتوظيف ذكي للفلكلور .

الكثير من الشعراء الذين يتصدون لكتابة النصوص الغنائية المتعلقة بالمهرجانات والاحتفالات لا يقدمون نصوصا لهذا النوع الخاص من الشعروالغناء تنبئ عن استشعارهم لمفهوم الموروث والفلكلورات الشعبية رغم قدراتهم وتمكنهم من البناء الشعري الفصيح او الشعبي على حد سواء لأن مثل هذه النصوص تقدم من خلال اللوحات الغنائية والإنشاد . الشاعر ( جبران محمد قحل ) قدم في مهرجان العسل الحادي عشر 2026 في محافظة العيدابي أوبريتا غنائيا جميلا بل متفردا يضاف لرصيده في كتابة الأوبريتات السابقة مثل ( يا بابا عبدالله) الذي شدت به الصغيرات من بنات جازان أمام الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز رحمه الله أثناء زيارته لمنطقة جازان العام 1427 وكتابة أول أوبريتات مهرجان شتاء جازان ( جازان الفل مشتى الكل ) 1429 ، وآخر لجامعة جازان احتفاء بذكرى اليوم الوطني الثمانين ، هذا بالإضافة إلى عشرات الأوبريتات الأخرى التي كتبها للعديد من المؤسسات والجهات باللغة الفصحى وباللهجة الشعبية ،وفي كل هذه النصوص ركز الشاعر جبران قحل على توظيف الكثير من الفنون الأدائية الفلكلورية المتنوعة في المنطقة مثل الزيفة والمعشى والعرضة والربش والسيف والعزاوي ، وألوان أخرى من الإيداعات الشعبية المتنوعة في مناطق المملكة وعلى رأسها العرضة النجدية والسامري والخطوة الجنوبية والينبعاوي وغيرها . وحين نتوقف عند الأوبريتات التي يقدمها جبران قحل فإننا نلحظ بوضوح أن هناك خطا مشتركا، وبصمة خاصة ومميزة، تنم عن فهمه العميق والكبير لمعنى الموروثات والفلكلورات الشعبية، الأمر الذي بات ثيمة ثابتة لا يخطئها الذوق العارف ، والمتأمل المنصف ،تعكس اسلوبا خاصا ورسالة يسعى إلى إيصالها وتكريسها في ذاكرة الأجيال الجمعية. ولهذا كان جبران قحل في هذا الأوبريت واعيا لكل ذلك وهو يختار البحر الشعري الشعبي التي تتسق تفاعيله مع جو المناسبة فكان اختياره لبحر الرمل المرتكز على تفعيلة ( فاعلاتن ) وزحافها بما فيها من حركة وسكون اختيارا مدروسا، ذلك لأنه من البحور الشعرية التي تناسب التعبير عن أجواء الغناء والإنشاد ولهذا نجده كثير الاستخدام في اناشيد العمل والبناء والمناسبات المختلفة منذ القدم ، وهنا يمكنني ان أضيف للمتلقي استئناسا يتعلق بالموشحات ، راودني هاجسه عند تأملي في بداية نص الأوبريت، حتى خُيِّلَ إليَّ أن الشاعر كان يستمع إلى فيروز وهي تغنى الموشح الشهير: جادَكَ الغيْثُ إذا الغيْثُ هَمى يا زَمانَ الوصْلِ بالأندَلُسِ ثم انشد بعد ذلك على نفس اللحن : يا عسل جازان يا سرّ الزهورْ يا نقا الإحساس في الأرواح دارْ (2) مطلع الأوبريت الرائع ينادي العسل في جازان وينادي فيه ومعه سر الزهور ومثلما نادى سرالزهور في العسل نادى نقا الإحساس في الأرواح إن ابتداء الأوبريت بأسلوب النداء نستطيع قراءته من زوايا متعددة لما يحمله النداء من دلالات لعل من أبسطها أن النداء خطاب موجه ومقصود يتطلب من السامع له الإستجابة وهذا ببساطة يتسق مع أبسط تعريفات الفلكورات والفنون الأدائية الشعبية بأنها الساكنة في الذاكرة الجماعية المشتركة في المجتمعات ولذلك أشيد بملحن الأوبريت الذي نجح في إيصال هذا المعنى موسيقيا وهو يتعامل مع معاني المطلع فكان بدء الغناء للمجموعة للكورال يا عسل جازان يا سرّ الزهورْ يا نقا الإحساس في الأرواح دارْ لينطلق الغناء الفردي صافيٍ مثل الندى ، عذب الشعورْ مخلصٍ كالنحل في رمش النهارْ (3) إن اختيار الألفاظ بعناية يساهم في نجاح اي عمل غنائي، وهذا ما فعله الشاعر في هذا الأوبريت لأن للألفاظ إيقاعها الداخلي الخاص الذي يتسق مع الأيقاع الخارجي بالضرورة ،كما يقول (أفلاطون ) : (نستطيع أن نميز الإيقاع في تحليق الطيور وفي نبض العروق وفي خطوات الرقص ومقاطع الكلام ) وللحق فإن اختيار جبران للألفاظ الموحية بالزمان والمكان والحركة والتنقل ساعدت الملحن في التعبير عنها بالموسيقى لتتجانس مع الراقصين على المسرح أثناء غناء الأوبريت فالارتباط وثيق جدا بين الحركة والإيقاع وهذا الارتباط جعل القديس أوغستين يراهما شيئا واحداً حين وصف الإيقاع بأنه ( فن الحركات الجيدة ) ولقد نجح جبران أيضا في بث معاني الحركة والغناء ليتعادل ويتوزع أثرهما داخل الأوبريت من خلال الألفاظ ،على سبيل المثال: لننظر لهذه الألفاظ الدالة على الغناء ( دندن - عزف - غنتها - أغاريد - غنتها الدهور ) وكذلك الألفاظ التي تعبر عن الأثر الذي يتركه الرقص والغناء في النفس ( تنتشي - حبور - فرح - حضور ) (4 ) في هذا الأوبريت أثبت الشاعر قدرة على امتلاك زمام اللغة وتطويعها للمعاني، رغم التساؤل البديهي الذي يطرق الأذهان: كيف ؟ ومن أين؟ وبماذا؟ سيبدأ الشاعر ليكتب نصا غنائيا عن العسل او المانجو او البن بوصفها ركيزة موضوع للاحتفاء والمهرجان ؟! وبالرغم من الصعوبة ، فقد نجح جبران قحل في ذلك من خلال ربط العسل بالحياة والطبيعة والشعور والأحاسيس الإنسانية والوطن بالإضافة إلى انك ستلقى في ثنايا نص الأوبريت كثيرا من المفردات والمعاني المرتبطة بالعسل مثل ( السدرة والشهد والنحلة والشار والبشام وجه النهار ) وغيرها من خلال سياقات مختلفة داخل النص وفي إشارات لطيفة بعيدة عن المباشرة وهذا في نظري هو الفن والإبداع الذي يحسب للشاعر لنتأمل قوله : وابتسَمْ وجه النهارْ وغنت النحلةْ وفا ودارْ كاس الشهد دارْ وانت يا بنت المطرْ رحلةْ غَمامةْ في قلوب الناسْ .. سدرةْ وفي ملامحهمْ .. بشامةْ هذه الإشارات اللطيفة والإلماحات الذكية جاءت لتناسب جو المناسبة والاحتفال الذي يشرفه المسؤلون والمدعوون والمهتمون وعلى رأسهم سمو أمير المنطقة وسمو نائبة لذلك نجح كاتب النص في الابتعاد عن الحشو وركز اعتماده خلال اللوحات الغنائية على التعبير الإلماحي الذي يشير ولا يصرح ، معتمدا على الدراما ذات المشهد الحي الذي يترفع عن السطحية المباشرة ، وينحاز بذائقة المتلقي إلى اللغة الشعرية دون تعالٍ على فهمه وإحساسه وتخيله ، العناصر التي ساعدته على تصوير المعاني العميقة والصعبة ببراعة وبأيسر الطرق وأرق الألفاظ ،مثل ربطه انتقال النحالين بنحلهم في مراعي مختلفة سهلا وجبلا ووأودية وغيرها وهذا لاشك معنى جليل شريف يعكس الامتزاج والالتفات والتنوع في المذاقات والألوان التي تؤسس سيرة العسل ورحلة النحل، كل تلك المعاني الجليلة لخصها جبران في ثلاثة أبيات معبرة فيها انفاس الجبل وأغاريد القرى وعرف الوادي وشوق البحر : فيه أنفاس الجبل : عزةْ صبورْ ومن أغاريد القرى : شيحٍ وشارْ وفيه عرف السيل ، والوادي الحبورْ وارتباك الريحْ في شوق البحارْ وفي تهامةْ لُهْ ، وفي القمةْ عبورْ وفي ربا ( الْعِيْدَابِيْ ) أفراحُهْ تُدارْ واستمرارا على ذات الطريق البديعة التي اعتمدها كاتب النص ، استهل المقطع الثاني باستلهام الفجر الذي يشير إلى الارتباط الفطري بانطلاقة النحل خلال رحلته اليومية : من حنين الفجرْ لحدودْ المدارْ والمناحل في ضلوع الأرض .. دارْ والحكايةْ في ضمير الوقت .. موروث الصغار واستكمالا لهذا النهج الموفق يمضي الشاعرفي كتابة المقطع الثالث ليربط العسل والنحل بالأرض والخزامى ،وبذكاء وابداع بين ما تطَعَّمه اللسان وتذوقه من لذة العسل الجميل وبين موروث الوطن وفنونه وارثه المتنوع الأطياف والأصناف ، التي تتظافر وتتكامل لتشكل ثراء إنسانيا فريدا يمثل سمة خالدة لأجيال هذه المملكة العظيمة : يا ديارْ العز.. يا ريح الخُزام الحلا لونك .. وفي عطر الكلامْ ومعبرا عن المسافات التي يقطعها النحل والتقاطه عطر الزهور،وبين مسافات هذا الوطن الشاسع وتنوع جغرافيته وبيئته، هذا الإتساع الذي يدلل على عدم الاعتراف بالمستحيل ، ويعلم أبناءه كيف يعْتَمِرون ، وهم يعْمُرُون أرضه ويتوارثون عراقته وتاريخه منذ الاف السنين كابرا عن كابر ،مشيرا في ثنايا ذلك لأجمل صفات إنسان هذه الأرض كالوفاء بالوعود والعهود والجود والكرم التي هي صفات متوارثة عن العرب منذ القدم تؤكد معنى الأصالة التي يتميز بها إنسان هذه الأرض : أنت علَّمتِ المسافةْ كيف نطوي المستحيلْ وكيف نكتب للكرامةْ ألف عام .. وألف عام كيف في أطباعنا تنكتبْ أسمى الوعودْ وكل قطرةْ من عسلنا .. تشهد : إحنا اللي نجودْ ثم يختم جبران قحل النص بالتخصيص بعد التعميم، بذات الروعة في إلماحة جميلة جدا عن هذا التخصيص للتعبير عن الولاء الحقيقي : ومن جنوب المملكةْ ثابت ولانا عهد من جَدِّ الجدودْ للملكْ وولي عهدُهْ ، والوطن وآل السعودْ عاش سلمان ومحمدْ وعزنا بآل السعود ( 5) الأمر الملفت كثيرا في أوبريت ( عسل جازان ) هو الوحدة الموضوعية التي جعلت الأوبريت مترابطا متناسقا في مقاطعه الثلاثة وفي لوحاته الغنائية بالرغم من تغير واختلاف اللحن الموسيقي في كل لوحة من اللوحات ولعل من أبرز الأمور التي استخدمها جبران ببراعة في تكوين هذه الوحدة — ربط النص عن طريق الألفاظ ،التي ساهمت في إبراز المعاني الجزئية والكلية،وقدرته على توزيع الألفاظ الدالة والموحية بالحركة والغناء على كل المقاطع الثلاثة في الأوبريت — انتقاء الأسلوب اللغوي المناسب للاستهلال حين افتتح أول مقاطع النص بأسلوب النداء: ياعسل جازان ياسر الزهور يانقا الإحساس في الأرواح دار وهو ذات الأسلوب الذي كرر استخدامه في المقطع الأخير أيضا : ياديار العز ياريح الخزام الحلا لونك وفي عطر الكلام بكل بساطة نستطيع أن نلحظ الربط الرائع في المعنى في البيتين بين الزهور والخزامى والألوان والعطر وبين الإحساس والكلام والأرواح و بين الظاهر والباطن بين الروحي والمادي بين المحسوسات والمعقولات كما نستطيع ان نلحظ الترابط عن طريق التعبير عن الخاص والعام في البيتين ففي المطلع خصص المكان ( ياعسل جازان ) مكان المهرجان والمناسبة وفي المقطع الثالث انتقل إلى العام وهو الوطن ( ديار العز ) في هذا الربط بين الخاص والعام له إشاراته ودلالاته الكثيرة لعل من أهمها الإشارة إلى مفهوم الوطن ومن جهة فيه الماحة حسب ظني إلى ماتنتجه رؤية المملكة 2030 م الشاملة التي غذت واعادت الروح للفنون والأصالة في مهرجانات الوطن السياحية والإقتصادية والثقافية أخيرا لقد استطاع جبران قحل في هذا الأوبريت بما يملكه من فكر ورؤية عن تصوره لمفهوم الفلكلور والأوبريتات أن يجعلنا ننتشي طربا ورقصا نحن المستمعين والحاضرين المشاهدين تفاعلا مع الراقصين على الأنغام والإيقاعات الأصيلة تماما كما الراقصين على المسرح ، أبارك لمهرجان ( عسل جازان ) هذا التميز والنجاح ، وأحيي بكل تقدير كل من ساهم وأشرف على إمتاعنا بهذا العمل الفني .