سيمياء التحوّل في ديوان (لا تتركِ الليلَ وحْـدَه) لعبد الوهاب أبو زيد..
سطوة الليل وانبجاس النهار .
يؤكد درس التشاكل في اللسانيات الدلالية والسيميائيات المعرفية على فرضية مركزية مفادها: أن انسجام الخطاب لا يُستمد من تطابق عناصره الظاهرية، بل يُبنى من خلال توترها وتناقضها.إذ إن المتلقي يعيد قراءة الرسالة انطلاقًا من تناقضها السطحي، ليكتشف في عمقها انتظام العوالم الممكنة وتفاعلها الدلالي. وانطلاقًا من هذا الأفق النظري، يمكن مقاربة ديوان «لا تترك الليل وحده» للشاعر عبد الوهاب أبو زيد بوصفه نسقًا شعريًا قائمًا على حوار العوالم وتنافذها،حيث لا يحضر الليل باعتباره فضاءً مغلقًا،بل بوصفه وسيطًا لانبجاس النهار، والنور، والولادة الجديدة. فكلما هيمنت سطوة الليل، انبجست عنه أنساق النهار، ليغدو التحوّل البلاغي والدلالي خاصية أساسية لانسجام العوالم، ومن هنا نؤول انبثاق النور من الظلام، والنهار من الليل، والبياض من السواد...الخ. وتتعمق هذه الرؤية حين نستحضر البعد القرآني لفعل «الانسلاخ» كما في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾، حيث لا يحيل الانسلاخ على القطيعة، بل على حركة وجودية دائرية تضمن اتصال العوالم وتداخلها. فالليل لا يُلغى بالنهار، ولا النهار ينفي الليل، وإنما يتوالدان في متتالية كونية تُعيد إنتاج المعنى باستمرار. وهو ما تنسجم معه نظرية التشاكل عند غريماس وراستيي وجماعة مو وغيرهم، حيث إن قولك: «نهاري ليل، وليلي نهار» هو إسقاط متبادل بين عوالم متفاعلة منسجمة في البنية العميقة للمعنى، ومتناقضة في بنيته السطحية؛ إذ إن الدلالة المنبجسة هي التجدد والانبعاث داخل نسق دائري متكرر. وبناءً على ماسبق، نعتبر التناقضات الظاهرية التي ركز عليها ديوان الشاعر عبد الوهاب أبو زيد بين الليل وخصائصه من جهة، ومقصدية الشاعر في بناء الأمل والضوء من جهة أخرى هي مفتاح لتشاكل العوالم وانبجاس بعضها من بعض. فالإشكالية هنا تتمظهر في عنوان قصيدة «سؤال وجودي» ؛ حيث يقول: هل أخرجُ من شرنقةِ الليلِ لأولدَ منها مثل فراشاتِ الحقلِ المزهوّةِ بالألوانْ؟ أم أبقى فيها كي لاتسحقني في لحظةِ عبثٍ كونيّ كفّا إنسانْ؟ شاعرنا إذن، يعترف بفرضيتنا السابقة في قراءة ديوانه: فما الليل إلا انبجاس لولادة جديدة داخل تراكم السؤال الوجودي اللانهائي، والذي يرافق الإنسان في محنته الوجودية التي جعلها الشاعر بنية للتناص المتعدد مع خطابات في الشعرية العربية ومع النص القرآني الكريم ذاته. جاء في الصفحة الثالثة : ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا﴾، وكذلك قول«امرؤ القيس» و «النابغة الذبياني»و«أمين نخلة»و «قاسم حداد»: وليلٍ كموجِ البحر أرخى سدولَهُ عليَّ بأنواع الهمومِ ليبتلي ( امرؤ القيس) فإنكَ كالليلِ الذي هو مدركي وإن خلتُ أن المنتأى عنك واسعُ ( النابغة الذبياني) لاتعجّل فالليلُ أندى وأبردُ يابياضَ الصباح، والحسنُ أسودُ ( أمين نخلة) ليلٌ... كما لو أنه الليلُ كلّه (قاسم حداد) إن تراكم المتواليات الشعرية السابقة المتصلة بالآية الكريمة ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا﴾تؤكد فرضية الصراع الوجودي بين الذات والعالم والمقصديات والأحلام. غير أن رؤيا الشاعر تخفي خلف عوالم الظلمة انبجاس الأمل والانعتاق. يقول الشاعر في قصيدة «باب الليل» سأطرقُ بابَ الليلِ حتى يجينبي ويكشفَ لي من سرّهِ ما تمنّعا وأذرعُهُ شبرًا فشبرًا، وأهتدي بأنجمهِ حتى نتوهَ بهِ معــــــا سأحكي له عنّي، وأصغي لبوحهِ وأصحبُـــــــهُ حتى يقرَّ ويهجــــعَــا إذن،ماذا يريد الشاعر من الليل. إنه يبحث في تحول ممكن. إن الاتصال بالليل كما في السطر الأول هو إصرار على الانكشاف والانبجاس؛ حيث يصير الاتصال واردًا بين الوحدات المعجمية :”الليل”،”سرّه”،”يكشف” يجيبني” أنجمه”، وذلك من خلال مقومات دلالية تدل على انبجاس الحقيقة من الوهم، والنهار من الليل، والنور من الظلمات.[+انكشاف]،[+انبجاس]،[+اتصال]،وهو ما يؤكد معجميًّا ودلاليًّا أن الاتصال بالليل هو طريق لانبجاس العوالم الجديدة. وما يؤكد تأويلنا السيميائي الدلالي هذا أن «بنية التحول»بوصفها بنية للولادة الجديدة، وكشفًا لأسرار الكون يصيغها الشاعر في المركبات الفعلية للفعل المضارع، والتي تدل على الاتصال في الزمان والمكان:”سأطرق”،”يجيبني”، “يكشف”،”سأحكي”،”نتوه”،”أهتدي”،”لن أتخلى”،”سأصحبه”مما يمتد إلى قصائد أخرى حيث كلما هيمنت سطوة الليل زاد اتصال الشاعر زمانًا ومكانًا بالإصرار على انبثاق عوالم الانبعاث وانبجاسها. إذ يقول في قصيدة «باب الظلام»: سأفتحُ بابًا في الظلامِ وأدخلُ وأسألهُ من فرطِ شوقٍ وأسألُ: عن الصمتِ، عن سرّ السكينةِ أُودعتْ بأرجائهِ، عن أنجُمٍ ليس تأفلُ عن العاشقينَ استوقدوا جمرَ عشقهم لديهِ، وعمّا في «المراسيل» أرسلوا الشاعر يُنشِّط من جديد مركبات الفعل المضارع من قبيل:”سأفتح”و”أدخل”و”أسأل”؛ ليثبت استمرار سرمدية الكون والسؤال معًا؛ لأجل انبثاق ما يصفه:”سر السكينة،وأنجم ليس تأفل”؛حيث إن نسق الملفوظات الدلالي المعجمي يجعل من علاقة الأنجم والجمر واليقظة والبوح علاقة اتصال وانبجاس بعضها من بعض لاعلاقة تناقض وتنافر. إن ديوان الشاعر يؤكد فرضياتنا السابقة، ويحاول إقناع المتلقي بأنساقها الدلالية والجمالية في مستويات متعددة من تأويل الخطاب الشعري؛ حيث انطلقنا من انبجاس العوالم وتوالدهاعبر التشاكلات المتعددة، وقدمنا مؤشرات دلالية وتركيبية تثبت ذلك؛ لنصل إلى استدلال الحلول الصوفي. إذ إن شاعرنا يصل إلى حد الحلول بمعالم الليل فيصبح:«هو هي»و «هي هو».يقول في قصيدة : «أنا الليل»: أنا الليلُ فاثملْ من شذاي ومِن عطري وقلّب إذا ما اشتقت جمرًا على جمر ِ أنا الليلُ فاقرأني كتابًا سطورُهُ تسامت، ولم تركن إلى وحشة الحبرِ أنا الليلُ.. فالجأْ لي، أكن لك موئـلًا يضُمُّك إما تُهتُ في لُجّةِ البحرِ تكسّر على صخري، وذُبْ فوقَ شاطئِي وعِش ذرّةً فيه إلى آخرِ الدهرِ! إن “أنساق الحلول” بين الأنا والليل تكشف مقصدية الشاعر في تحويل سطوة الليل إلى تحدٍّ وجودي نحو الانعتاق وانبثاق عوالم العطر والسمو والديمومة، وهو ما تمفصل عن المركبات الاسمية الآتية:”أنا الليل فاثمل من شذاي،أنا الليل فاقرئني كتابًا،أنا الليل مأوى”، وهو ما اختزله شاعرنا في عنوان قصيدة «لا ليل إلاك».إذ يتحول الليل إلى موعد لعلامات الانعتاق وتجدّدالذات: وأنتَ أنغامُهُ كم سالَ من ولهٍ إلى يديكَ، وأنت العودُ والوتر ُ ما أنتَ إن لم تكن ليلا تفجّرَ في مسامِ روحكَ حتى أوجس المطرُ ! ويبلغ هذا المسار التأويلي ذروته في قصيدة «أنا الليل»، حيث تنتقل الذات الشاعرة من مخاطبة الليل إلى التماهي معه، في حركة حلولية ذات أبعاد صوفية واضحة. فقول الشاعر «أنا الليل» لا يعني ذوبان الذات أو فناءها، بل تحويل الليل إلى هُوية وجودية، وإلى ملاذ، وكتاب، ومأوى، ويتحول الليل من موضوع للتأمل إلى كينونة حاضنة للذات، بما يحمله ذلك من دلالات الانعتاق، والسمو، والديمومة. هكذا حاولنا مقاربة ديوان الشاعر عبد الوهاب أبو زيد «لا تترك الليل وحده»انطلاقًا من سيمياء التحوّل،حيث أكدنا فرضية التحول الدلالي والجمالي التي شيّدها المتلقي عبر تراكم وحدات معجمية ودلالية وتركيبية أسهمت في بناء الاتصال بين العوالم الممكنة؛ إذ كلما هيمنت سطوة الليل تدخلت مقصدية الشاعر؛ لتحويلها إلى ذريعة للوجود والبقاء والانبعاث والحلول في مقابل الفناء والموت.