لم أكن أظن أن للحظة الواحدة كل هذا الثقل، وأن ثانيةً خاطفة قادرة على قلب ترتيب العمر كُله. كنتُ أعيش يومي كعادتي، بثقل الحمل الذي يكبر في أحشائي، وبانتظار الغد الذي كنتُ أراه مليئًا بالضحكات والقصص، إلى أن دخلتُ البيت وهناك، قبل أن أرى، وقبل أن أُسأل، شعرتُ بأن شيئاً ما قد انطفأ في أعماقي إلى الأبد. كان الصمتُ صاخبًا، أعلى من أي صوتٍ سمعته في حياتي، والوجوه لم تكن تبحث عن عزاء، بل كانت غارقة في لجّة الفقد المُرّة. وجوهٌ منكسرة، عيونٌ قرحها الدمع وتورّمت من البكاء الذي لا ينقطع، وأيدٍ يرتجف فيها الثبات، وبكاءٌ لا يشبه في مرارته الحزن العابر، بل هو بكاء الروح التي تُمزق. لم ينطق أحدٌ بكلمة، لكن قلبي كان قد سبَق الجميع في الفهم فهناك أخبارٌ لا تحتاج لغة، تصلُ مشحونةً بالوجع العميق، وتستقر في الصدر كحجرٍ صلد، يضغط على كل نبضة. كنتُ حاملاً، أحمل في أحشائي تلك الصغيرة التي اختار لها أبي اسمها قبل أن تطلّ على الدنيا. حين بشرتُه بأنني أحمل في بطني بنتاً، رأيتُ الفرح يرقص في عينيه كما لم أره من قبل. لم يتردد ثانية واحدة، قال لي بلهفة المحبّ ووفاء الابن البار: “سمّيها على اسم أمي”. كان يريد أن يبعث طيف والدته في حفيدته، كان يخطط لاستقبال “أمه الصغيرة” بحبٍّ لا يسعه الكون. وفي اللحظة ذاتها التي كنتُ أنتظر فيها أن يضمّ حفيدته التي تحمل اسم أغلى الناس عليه، كنتُ أفقدُه هو أصل حياتي، منبع وجودي، كل شيء. وحين استقرّ المعنى في صدري، لم يحتمل جسدي ذاك التناقض الرهيب كيف يرحل “الأب” في الوقت الذي تتهيأ فيه “السميّة” للقدوم؟ سقطتُ على الأرض، سقوط من سُحبت منه الروح فجأة، كما لو أن الوقوف صار فعلاً مستحيلاً، وأن الأرض انشقّت لتبتلعني مع حزني. لم يكن بكاءً فحسب خرج الصوت مني قبل أن يدركه عقلي صرختُ بأعلى ما أوتيتُ من فجيعة، وبكل ما ملكتُ من قوة، صرخةً هزّت أركان البيت وأركان روحي. لا لأعبّر عن الحزن، بل لأقاوم! وكأن الصراخ درعٌ واهٍ يصدُّ القدر القاسي، أو يذود عني الموت الذي سرقه مني، أو يبدد تلك الكلمة التي لا تُحتمل، التي حفرت نفسها في عقلي: “أبوكِ مات”. أردتُ أن أمنعها من عبور أذني، كنتُ أصرخ لأهرب من المعنى، ومن الخراب الذي تتركه هذه الكلمة خلفها، خرابٍ سيلازمني ما حييت. أردتُ أن أبقى في المسافة الآمنة، ولو للحظة واحدة، تلك التي تسبق الفقد. لكنّ الفقد لا ينتظر أحداً، ولا يرحم. منذ ذلك اليوم، تبدلت ملامح العالم، واكتساه السواد. لم يعد كما كان، ولا كما ظننته سيكون، بل صار جحيماً بارداً. صار الموتُ أقرب، وصار للغياب وجهٌ أعرفه جيداً، وجهُ أبي الذي لا يغادر خيالي. ومع ذلك، لم يرحل تماماً. إنه يزداد حضوراً، لا في أحلامي فحسب، بل في واقعي القاسي. مع كل حركة للجنين في بطني، أشعر بلسعة الحنين إليه، وأرى فيه وصيته الأخيرة لي. وكلما نظرتُ إلى “ناصر” طفلي الصغير، الذي لم يتجاوز حينها عامه الأول وستة أشهر، والذي يحمل اسم جده الذي أحبه أبي حباً لا يضاهيه شيء.. ينقبض قلبي ألماً. أبي، الذي كان يرى في ناصر امتداده، واسمه، وضحكته التي لم تنطفئ، رحل قبل أن يرى “ناصره” يكبر. يرافقني الحزن في كل مرة تقع فيها عيني على “ناصري” الصغير. تخنقني العبرة وأنا أتأمل ملامحه التي تزداد شبهاً بجده، وأتساءل بغصةٍ تمزق روحي: لماذا رحلتَ باكراً يا أبي؟ كنت أتمنى، بكل ما أوتيتُ من أمومة وقلبٍ موجوع، أن تشهد جميع مراحل نموه. كم تمنيتُ لو شهدتَ اللحظة التي نطق فيها ناصر كلمة “جدي” لأول مرة، وكأنها نداءٌ لروحك. تمنيتُ لو كنتَ الواقف خلف الباب، ترقبه وهو يخطو غداً نحو روضته بحقيبته الصغيرة، ليعود إليك ركضاً، ويرتمي في حضنك، ويحكي لك بكلماته المتعثرة عن أصدقائه وأحلامه الكبيرة. وأحكي لك عن تفاصيل يومه، عن شقاوته، وعن ذكائه الذي يذكرني بك. كنتُ أريد أن يرى “ناصِرُك” الصغير فخرك في عينيك، لكنّك رحلت وتركتني أحكي له عنك، وأبحث عن طيفك في تفاصيل أيامه. اكتشفتُ أن الحب لا ينتهي عند عتبة الموت، بل يتسامى شكله يصيرُ غصةً تُثقل القلب، ودعاءً مخبأً في السجود تُرْفَعُ فيه دموعي، وحنيناً لا يعرف التعب، بل يزداد مع كل يوم يمضي. أحياناً أسأل نفسي: هل غادر حقاً؟ كيف يغادر وهو الذي ترك لي نبضاً جديداً يتهيأ للحياة، يحمل اسماً اختاره هو بقلبه؟ وطفلاً آخر يحمل اسمه؟ في خيالي، ما زلتُ أحنو عليه، أربّت على كتفه الغائب، وأحادثه كما كنتُ أفعل، أطمئنه، وأخبره أنني بخير حتى حين أكون في قمة انكساري وغصتي. وأخبره أن “ابنته الصغيرة” ستكبر وهي تحمل اسم جدتها، وتحمل معها حكاية جدٍ أحبّها قبل أن يراها، و”ناصره” سيكبر وهو يبحث عن ملامحه في عيون الغائب. لم يأخذ الموتُ أبي من حياتي، أخذه من أمام عينيّ فقط أما مكانه الحقيقي فما زال ثابتاً ينمو مع أطفالي، ويستقر في قلبي، وفي كل خطوة أتعلم فيها كيف أواصل العيش وأنا أحمل هذا الفقد معي لا كحملٍ ثقيل، بل كجزءٍ أصيلٍ مني، كأمانةٍ غالية تركها لي وغادر بهدوء، تاركاً خلفه فراغاً لن يملأه أحد.