ساعة أمل: حين تتشابه المقبرة والحياة .
لا يتخذ النص المسرحي «ساعة أمل» للكاتبة السعودية سحر بحراري من المقبرة فضاءً غرائبيًا قائمًا على الإدهاش أو الصدمة فقط، بل يحوّلها إلى مساحة تأمل معرفي، تُعاد فيها محاكمة الحياة من موقع مغاير. فالشخصيات، وإن كانت متوفاة في منطق الحدث، إلا أنها حاضرة بوعي مضاعف، كأن الموت لم يكن نهاية قاطعة، بل انتقالًا إلى زاوية رؤية أكثر صفاءً، وربما أكثر قسوة وألم. ما يلفت في بناء الفضاء المسرحي هو ذلك التشابه المقصود بين فضاء المقبرة وفضاء الحياة. الكاتبة لا ترسم حدًا فاصلًا بين العالمين، إنما تعمل على تذويب الحدود إلى درجة تُربك المتلقي، فيتسأل هل نحن فعلًا في عالم الموت؟ أم في مرحلة وسطى معلّقة بين الحياة والفناء؟ هذا الالتباس لا يبدو عارضًا، ولكن هو جزء من استراتيجية النص، التي تدفع القارئ أو المشاهد له لاحقًا إلى الاستمرار في المتابعة بحثًا عن يقين لا يُمنح بسهولة له. لذلك نجد أن مرة نُسلّم بأن «أمل» قد ماتت، ومرة أخرى نشعر أنها لا تزال عالقة بين مرحلتين، لا تنتمي كليًا لأي منهما. وفي ذات السياق لا تُكتب الغيبيات بوصفها معرفة جاهزة أو تصورًا ميتافيزيقيًا مغلقًا، بل تُستحضر عبر استعارة إنسانية مألوفة. المقبرة هنا ليست نقيض الحياة، بل صورتها المجرّدة؛ فهي مكان تُمارَس فيه الحوارات، وتُستعاد العلاقات، وتُراجع الاختيارات، لكن دون ضغط الزمن المألوف أو إكراه الاستمرار. يعتمد النص على تقنية الفلاش باك بوصفها آلية درامية مركزية. البطلة لا تسترجع حياتها بدافع الحنين، بل بدافع التفكيك والمساءلة، لذلك نجد أن علاقتها مع شريكها تُعاد قراءتها من موقع وعي متأخر، ووفق معايير لم تكن متاحة وهي داخل التجربة. هنا لا يمنح الموت خلاصًا عاطفيًا، بل مسافة معرفية، تُعيد ترتيب المعنى من حياتها دون أن تُصلح ما فسد. ويبلغ البعد الرمزي في النص ذروته مع بحث «أمل» عن الساعة التي تسمح بها اللجنة لتكون حلمًا في منام أمها. فالساعة لا تمثل الزمن بوصفه قياسًا، بل بوصفه فرصة، أو استثناءً نادرًا داخل نظام صارم لما بعد الموت. سعي أمل المحموم للعودة إلى أمها، ثم إلى ابنتها، يكشف أن الصراع الحقيقي ليس مع الفقد بقدر ما هو مع عدم الاكتمال؛ علاقات انقطعت دون مصالحة، وكلمات لم تُقل في وقتها، وحياة عاشتها دون رغبة بها وإنما بتخطيط من غيرها. غير أن تدخل اللجنة يعيد هذا الأمل إلى إطاره الوجودي القاسي. فالسلطة هنا ليست عقابية ولا رحيمة، بل محايدة وغير قابلة للتفاوض. يأتي القرار بمنح الساعة للابنة فقط، وعلى هيئة حلم، يحمل دلالة عميقة، حيث إن أمل لا يُسمح لها بالعودة إلى الحياة أو تصحيح أخطائها، لكنها تُمنح فرصة أن تتحول إلى أثر. لذلك الحلم يصبح وسيطًا مشروعًا بين العالمين، شكلًا رمزيًا للتواصل لا يخرق النظام الكوني، لكنه لا يلغي الفقد. بهذا المعنى لم تعود مخاطبة الابنة فعلًا وعظيًا مباشرًا، ولكن فعل مقاومة متأخر. أمل لا تستطيع إنقاذ نفسها، ولا العودة إلى أمها، لكنها تستطيع أن تمنع تكرار التجربة القاسية التي مرت بها مع زوجها، حيث إن التجربة لا تُورَّث عبر الدم، بل عبر السلوكيات التي تورث ثقافيًا، والحلم هنا يأتي ليكسر هذا السلسلة، ويمنح الجيل التالي فرصة اختيار مختلفة ذات معنى وحرية. الحوارات في «ساعة أمل» تتسم ببساطة ظاهرية، لكنها تقوم على كثافة دلالية واضحة. حيث إن كل شخصية مهما بدا حضورها محدودًا، تسهم في تصاعد الصراع أو هبوطه عبر الرؤية لا الحدث. وتنوّع اللهجات بين الشخصيات يعزز هذا البعد، ويمنح النص واقعية اجتماعية، كأن المقبرة جمعت ما فرّقته الحياة، وألغت الفوارق الشكلية لصالح جوهر التجربة الإنسانية. من حيث الحرفية المسرحية، يُظهر النص وعيًا دقيقًا بخصوصية الكتابة للخشبة، من حيث تقديم الشخصيات وسماتها قبل الدخول في المتن الدرامي، وتقسيم النص إلى فصول ومشاهد، ووجود مشاهد انتقالية ذات طابع استعراضي، كلها عناصر تؤكد أن النص لا يُراهن على اللغة وحدها، بل على الصورة، والحركة، والإيقاع. كما أن توصيف الإضاءة والسينوغرافيا يجعل الفضاء المسرحي عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى، خصوصًا في ظل هذا الالتباس المتعمد بين عالمي الحياة والموت. أخيراً يمكن تصنيف مسرحية «ساعة أمل» ضمن المسرح الوجودي التأملي، مع تقاطعات واضحة مع المسرح الرمزي. فهو لا يسأل عمّا بعد الموت بقدر ما يعيد طرح سؤال الحياة نفسها، ويترك الإجابة معلّقة في منطقة وسطى تشبه فضاء النص. لذلك لا تُقدَّم المقبرة كنهاية، ولا الساعة كخلاص، بل يُقدَّم الحلم بوصفه الحدّ الأقصى الممكن للإنسان بعد فوات الأوان. وهنا تكمن قوة النص: في اعترافه بأن بعض الأخطاء لا تُصحَّح، لكنها قد لا تتكرر. * ماجستير في الأدب المسرحي.