فشل المسرح العالمي في العالم العربي ليس حادثة عابرة، ولا هو نتاج سوء عرض أو ضعف ترجمة فحسب، بل هو عرضٌ ثقافيٌّ كاشف، يكشف اختلالاً أعمق في العلاقة بين الذائقة والوجدان، بين ما نراه «ثقافة» وما نسمح له أن يصير «تجربة». وحين نتأمل حضور مسرح شكسبير تحديداً، فإننا لا نقف أمام نصوص عظيمة أخفقت في العبور، بل أمام وجدانٍ عربيٍّ وضع المسرح في خانة الاحترام، لا في منطقة الرغبة. المسرح كرمز ثقافي المسرح، في أصله الأول، طقس. لا يقوم على النص وحده، بل على الجسد، والصوت، والزمن، والتواطؤ الصامت بين الخشبة والمتلقي. لكن ما حدث في التجربة العربية هو نزع الطقس من المسرح، وتحويله إلى «أيقونة ثقافية». صار شكسبير اسماً يُستدعى لإثبات الرقي، لا لاختبار الحسّ. بهذا المعنى، لم يدخل شكسبير إلى المسرح العربي من باب الوجدان، بل من باب المؤسسة: الجامعة، المهرجان، الموسم الثقافي، الخطاب الرسمي. ومن يدخل من هذا الباب، يخرج غالباً بلا جمهور. فالمتلقي العربي لم يُدعَ ليحب، بل ليعترف بالقيمة. والاعتراف لا يصنع علاقة، بل يصنع مسافة. بين البلاغة والانفعال الذائقة العربية تشكّلت تاريخياً في حضن البلاغة. الشعر قبل المسرح، والصوت قبل الجسد، واللغة قبل الفعل. وهي ذائقة تبحث عن التكثيف لا الامتداد، وعن القافية لا الصراع، وعن البيت المدهش لا المشهد المتراكم. المسرح الشكسبيري، في المقابل، لا يمنح لذته سريعاً. يطلب من المتلقي صبراً، ومن الانفعال وقتاً كي ينضج. خذ مثال «هاملت»: الشخصية التي تقوم على التردد، لا على القرار. الوجدان العربي، الذي يميل إلى البطولة الحاسمة، يتعامل مع هذا التردد بوصفه ضعفاً، لا بوصفه سؤالاً وجودياً. فيُختزل هاملت في «الأمير المتردد»، ويُغلق النص عند هذا الوصف الكسول، بدل أن يُفتح على أسئلته: من يملك الحقيقة؟ هل الفعل دائماً فضيلة؟ وهل التأجيل جبن أم وعي؟ هنا تفشل الذائقة، لأنها تبحث عن المعنى قبل أن تعيش التجربة. التعقيد الأخلاقي في تجربة تلقي «عطيل»، يتضح الفشل أكثر. يُقرأ النص غالباً بوصفه مأساة الغيرة، ويُختزل الصراع في خيانة امرأة وسذاجة رجل. لكن المسرح الشكسبيري لا يشتغل على الأخلاق بوصفها أحكاماً، بل بوصفها شبكات. عطيل ليس شريراً ولا ضحية خالصة؛ إنه نتاج بنية شكّ، ونظام ثقة هش، ولغة تُستعمل للتلاعب. الوجدان العربي، الذي يفضّل التقسيم الأخلاقي الواضح، يتوتر أمام هذا التعقيد. يريد أن يدين «أياغو» وينتهي، بينما النص يطلب منه أن يرى كيف تعمل اللغة كأداة سلطة. وحين لا يجد المتلقي ما يثبّت يقينه، ينسحب من التجربة، أو يحمّلها أكثر مما تحتمل من وعظ أخلاقي. من الجمهور إلى الصف الدراسي أخطر ما أصاب المسرح العالمي عربياً هو تحويله إلى مادة شرح. صار العرض امتداداً للمحاضرة، وصار المخرج مفسِّراً لا مبدعاً، وصار الجمهور لجنة تصحيح. نسأل: ما الرمز؟ ماذا يقصد؟ أين الفكرة؟ ولا نسأل: ماذا حدث لي وأنا أشاهد؟ في هذا السياق، لم يعد المسرح ممارسة وجدانية، بل امتحاناً ثقافياً. ومن لا ينجح في الامتحان، يشعر بالإقصاء. وهكذا يتحول المسرح إلى فضاء نخبوي مغلق، لا لأنه عميق، بل لأنه لا يعرف كيف يخاطب الجسد قبل العقل. حين تُفرَّغ العاطفة من خطرها حتى النصوص التي تبدو أقرب إلى الوجدان العربي، مثل «روميو وجولييت»، لم تنجُ من هذا المصير. تُقدَّم القصة غالباً بوصفها «قصة حب خالدة»، ويُغفل بعدها التخريبي. فالحب في النص ليس عاطفة بريئة، بل قوة تهدد النظام الاجتماعي، وتفضح عبث الصراعات الموروثة. الذائقة العربية، التي تميل إلى تمجيد الحب ما دام منضبطاً، تشعر بالقلق أمام حب يرفض الوساطة، ويختار الموت على التكيّف. فيُعاد ترويض النص، وتفريغه من راديكاليته، ليصير قصة عاطفية جميلة بلا أثر. الوجدان العربي ومحنة التقمص المسرح يطلب من المتلقي أن يتقمص، أن يرى نفسه في الآخر، حتى لو كان هذا الآخر قاتلاً أو خائناً أو ضعيفاً. لكن الوجدان العربي غالباً ما يحتفظ بمسافة أخلاقية آمنة: «أنا لست مثل هذه الشخصية». هذه المسافة تحمي القيم، لكنها تقتل التجربة المسرحية. شكسبير لا يريد متفرجاً بريئاً، بل شريكاً ملوثاً بالأسئلة. وحين لا يجد هذا الشريك، يتحول النص إلى قطعة متحفية: جميلة، صامتة، وبعيدة. فشل التوطين لا فشل العالمية المفارقة أن كل محاولة عربية جادة نجحت نسبياً مع شكسبير كانت تلك التي خانته. التي كسرت لغته، ونقلت صراعاته إلى سياقات محلية، وسمحت للنص أن يتشوه كي يحيا. أما العروض التي حافظت على «الهيبة» فقد حافظت معها على البرودة. العالمية لا تعني الصلاحية المطلقة، بل القابلية لإعادة الكتابة. والمسرح لا يعيش بالنص، بل بالاختلاف عليه. حين ينتصر الوجدان أو يسقط المسرح فشل المسرح العالمي في العالم العربي ليس فشلاً لشكسبير، ولا للمسرح بوصفه فناً، بل فشلٌ في إدارة العلاقة بين الذائقة والوجدان. لقد قدّمنا المسرح بوصفه معرفة، لا بوصفه خطراً. وبوصفه قيمة، لا بوصفه تجربة. وما لم نسمح للمسرح أن يربك يقيننا، وأن يجرّح ذائقتنا، وأن يخاطب فينا ما قبل اللغة، سيظل المسرح ــ مهما كان عظيماً ــ ضيفاً ثقيلاً، يجلس في الصف الأول، ويغادر بلا أثر.