لكي “يسعنا” الزحام
الزحام لفظة مشؤومة لا تمر على مسمع أحدنا إلا فك ارتباطه ، وأعاد ترتيب إلتزاماته. في الطرقات مثلا لا نختصر المسافة لكي نصل في أسرع وقت ،بل لئلا نقع في مصيدة التذمر القاتلة والتي يسببها التكدس المروري الخانق. كذلك الصور المكانية المكتضة في أذهاننا بالبشر؛ تجعلنا نعيش في توجس مستمر وقلق دائم مع الزحام وتجبرنا نطلق عليه أحكامنا المسبقة وذلك كلما توجهنا لموعد خاص أو عندما نخرج لقضاء مستلزماتنا واحتياجاتنا اليومية في شتَّى مواقعها وأماكنها المختلفة. ومع هذه العداوات التي نشنها كل يوم ضد الزحام يبقى السؤال قائمًا … متى يسعنا الزحام ؟ وهل هناك فرصة بأن نتصالح معه ؟ طرحي لهذا التساؤل ليس ضربا من الجنون ، بل حلا نفِيسا ونفْسيّا لنتصالح مع ظاهرة الزحام. كل ما علينا هو أن نتقبّل الزحام؛ لكي يسعنا، ونتحمّله لئلا نحمّل أنفسنا فوق طاقتها من الاضطراب. في الزحام فراغ كبير يجب أن نملأه؛حتى لا نَمل. ولكي يسعنا الزحام علينا أن نستفيد من تجربة المتصالحين مع الزحام؛ ألا ترى أن عشاق القراءة وهواة الكتب مثلا يجدون في معارض الكتب سعتهم وسعادتهم حتى وهي تختنق بمرتاديها !؟ ألم تمر بك الأيام على أماكن بيع واستبدال السيارات أو ما يعرف بحراج السيارات ؟ ألم تشاهد بشرا يسدون كل شبر من ذلك المحيط ؟ لقد تعايشوا مع تلك الصورة وتقبلوها ؛ فوسعهم الزحام. وبعد هذا السرد والدرس من تجارب المتصالحين مع الزحام … ألم يحن الوقت الذي نتصالح معه ؛ لكي يسعنا حلما واتزانا وتعقلا ؟!