إخناتون .. الثروة التي تنتظر التمويل لإبهار العالم.
في تاريخ الأمم ثروات لا تُقاس بالماديات، بل بما تتركه عقول مبدعيها من أثر يغير مجرى الوعي الإنساني. وفي قلب هذه الثروات العربية الغائبة، يقبع مشروع فيلم “مأساة البيت الكبير” أو “إخناتون” للمخرج العبقري الراحل شادي عبد السلام. هذا المشروع ليس مجرد سيناريو حبيس الأدراج، بل هو “نبوءة بصرية” ووصية فنية متكاملة، تركها فنان أفنى عمره في رسم أدق تفاصيلها، من خيوط الكتان في ملابس الكهنة إلى زوايا سقوط الشمس على جدران المعابد؛ لتكون وثيقة حضارية غير مسبوقة بانتظار من يمنحها الحياة. إن المشهد الثقافي العربي المعاصر يعيش لحظة استثنائية من الوفاء والتقدير؛ ولعل التكريم الرفيع الذي ناله مؤخراً الفنان فاروق حسني، بوصفه رمزاً للثقافة المصرية المعاصرة ومنارة للإبداع، يبرهن على أن هناك إرادة حقيقية للاحتفاء بالقامات التي صانت وجداننا الثقافي. هذا التوجه المحمود يفتح الباب على مصراعيه لمزيد من الوفاء لرموز الإبداع العربي، ليس فقط عبر التكريم المعنوي، بل عبر استعادة أحلامهم الكبرى التي توقفت أمام عقبات التمويل. إن بعث مشروع شادي عبد السلام هو الامتداد الطبيعي لهذه الروح التكريمية، وتحويل الإرث النظري إلى واقع ملموس تراه الأعين. إننا أمام لحظة فارقة تتطلب تضافر الجهود العربية بمساراتها المختلفة. فمن جهة، تبرز وزارات الثقافة العربية كجهة معنية أصيلة برعاية هذا الإرث الفني وحمايته من الاندثار أو التشويه، وضمان تقديمه برؤية تحافظ على الهوية التاريخية. ومن جهة أخرى، تبرز الهيئة العامة للترفيه بالمملكة العربية السعودية كقوة إنتاجية رائدة ومستقلة، أثبتت قدرة فائقة على تحويل المشاريع الضخمة إلى واقع عالمي مبهر بمواصفات تقنية لا تدانيها أية محاولة أخرى. إن اتخاذ قراراً تمويلياً عربياً، سواء من خلال تكامل الأدوار أو عبر مبادرة من أحد القطبين لتبني إنتاج “إخناتون” بمقاييس عالمية، هو الرد الثقافي الأقوى والأكثر رقياً على محاولات تزييف تاريخنا التي نراها في بعض الإنتاجات الغربية. إن الجدوى من إنتاج هذا العمل تتجاوز البعد الفني إلى آفاق استراتيجية واسعة؛ ففيلم بهذه المواصفات وباسم شادي عبد السلام -الذي يُصنف فيلمه “المومياء” ضمن أعظم أفلام العالم- هو مرشح طبيعي لحصد كبرى الجوائز العالمية، ووضع السينما العربية في مكانها الطبيعي كمنافس في صناعة “الخلود السينمائي”. إن “إخناتون” شادي عبد السلام لا يزالحياً في أوراقه وتصاميمه، ينتظر تلك اليد الجريئة التي تفتح له بوابات “البيت الكبير” ليدهش العالم من جديد.