السعودية بين ما كان .. و ما هو كائن ..و ما سوف يكون.

ليس هذا العنوان توصيفاً زمنياً بقدر ما هو مفتاح قراءة .. لأن المملكة العربية السعودية لا تُفهم بوصفها دولةً انتقلت من مرحلةٍ إلى أخرى، بل ككيانٍ حافظ على جوهره، و غيّر أدواته، و أعاد تعريف موقعه كلما تغيّر العالم من حوله. السيادة التاريخية : ما كان .. ما هو كائن .. ما سوف يكون ما كان، هو لحظة الوعي الأولى بأن هذه الأرض لا تُدار إلا بإرادة أهلها .. سيادة تأسست لا بوصفها ردّ فعل، بل كخيارٍ وجودي. في تلك المرحلة، لم تكن السيادة خطاباً، بل ممارسةً صامتة: حماية القرار، ضبط الإيقاع، و رفض الارتهان لأي قوةٍ خارجية مهما كان الثمن. كانت الدولة تُدرك أن التنازل المؤقت في السيادة يتحوّل مع الزمن إلى خسارةٍ دائمة في القرار. ما هو كائن اليوم، هو انتقال السيادة من مجرد حماية الحدود إلى إدارة المصالح .. لم تعد السيادة تعني الانغلاق، بل القدرة على الدخول في العالم بشروطك، و الخروج منه دون أن تُستنزف. السيادة هنا أصبحت أكثر تعقيداً: اقتصادٌ يُعاد بناؤه، سياسةٌ تُدار من موقع المبادرة، و أمنٌ لا يُستجدى بل يُصان. لم تتغيّر الفكرة، بل توسّعت أدواتها. أما ما سوف يكون، فهو سيادةٌ متعددة الأبعاد .. سيادة في القرار، و في الموارد، و في الرواية، و في القدرة على التأثير لا التلقّي. دولة تعرف أن من لا يملك مفاتيح المستقبل، سيُطلب منه لاحقاً أن يدفع كلفة الدخول إليه. السيادة القادمة ليست صدامية، لكنها حازمة .. و ليست انعزالية، لكنها غير قابلة للمساومة. الوحدة بين الشعب و الحاكم : ما كان .. ما هو كائن .. ما سوف يكون ما كان، هو عقدٌ غير مكتوب، لكنه راسخ .. وحدة قامت على الإدراك المتبادل بأن بقاء الدولة مرهون بتماسكها الداخلي. لم تُبنَ العلاقة على الإكراه، بل على القناعة .. و لم تُختبر في الرخاء فقط، بل في الشدائد. في تلك اللحظات، كانت الدولة و المجتمع في خندقٍ واحد، لأن كليهما يعرف أن الانقسام هو المدخل الأسهل لإسقاط الدول. ما هو كائن اليوم، هو ترجمة هذه الوحدة في زمن التحوّل .. قرارات كبيرة، و تغييرات عميقة، و كلفة لا يمكن إنكارها .. لكنها قُدّمت بوصفها مساراً وطنياً لا مغامرة فردية. الشعب لم يُستبعد من الفهم، و الحاكم لم يختبئ خلف الشعارات .. فبقيت الثقة، و بقي معها الاستعداد لتحمّل المرحلة، لأن الهدف واضح، و الاتجاه معلوم. ما سوف يكون، هو وحدة أكثر نضجاً .. وحدة لا تقوم فقط على الالتفاف، بل على المشاركة في صناعة المستقبل. دولة لا ترى شعبها عبئاً، و شعب لا يرى دولته كياناً منفصلاً عنه .. بل علاقة مسؤولية متبادلة، تُدار بالعقل، و تُحمى بالوعي، و تتجدّد بالفعل لا بالخطاب. الثابت و المتحوّل : ما كان .. ما هو كائن .. ما سوف يكون ما كان ثابتاً، هو الهوية .. دين، و لغة، و تاريخ، و منظومة قيم شكّلت وعي هذا المجتمع، و منحت الدولة معناها. هذه الهوية لم تكن يوماً موضع تفاوض، لأنها ليست تفصيلاً ثقافياً، بل الأساس الذي بُني عليه كل شيء آخر. ما هو كائن اليوم، هو إدراكٌ عميق بأن الثبات لا يعني الجمود، و أن المواكبة لا تعني التفريط. المتحوّل هو الأدوات: اقتصاد، و تقنية، و إدارة، و أنماط حياة .. أما الثابت، فهو البوصلة التي تمنع التحوّل من الانزلاق. هنا تميّزت التجربة السعودية عن تجاربٍ أخرى ظنّت أن التحديث يستلزم استبدال الهوية، فاكتشفت متأخرةً أنها فقدت الاثنين معاً. ما سوف يكون، هو معادلة أوضح: هويةٌ أكثر ثقة بنفسها، و دولةٌ أكثر قدرة على التفاعل مع العالم دون أن تذوب فيه. المستقبل لا يُبنى بتقليد النماذج، بل بصياغة نموذجٍ خاص، يعرف ماذا يُغيّر، و ماذا يُبقي، و لماذا. السعودية بين ما كان .. و ما هو كائن .. و ما سوف يكون، ليست قصة انتقالٍ زمني، بل مسار وعي. ما كان، منحها الجذور. و ما هو كائن، يختبر صلابتها. و ما سوف يكون، ثمرة قدرتها على الجمع بين السيادة، و الوحدة، و الهوية، دون أن تتأخر عن عصرها، أو تتنازل عن نفسها. و في زمنٍ تختلط فيه الاتجاهات، تبقى الدول التي تفهم عنوانها جيداً، هي الأقدر على كتابة فصولها القادمة بثبات.