لنحاكم الشعراء

1 المكان الذي امارس فيه رياضة المشي كل فجر، ليس مضمارا للمشي ولا حتى رصيفا من الإسفلت، هو واد جف و لم يعد واديا الا من حيث الجغرافيا ومن حيث المسار الذي ينتهي به صعودا نحو الجبل او نزولا الى البحر، لكنه ما زال واديا ومسارا للسيل بين حين وحين ، وهو ككل الاودية صامت ومنعزل و متواضع، ولأنه كذلك فقد اتفقنا ضمنيا هو وانا ان لا اجرّح صمته ولا اخدش وقاره على ان يستمع الى صخب كلماتي وافكاري وحواراتي مع ذاتي ، و ان لا يقول ذلك لأحد . والتزمت بذلك , وعدا وقع خطواتي كل صباح ، وعدا بعضا من موسيقى بلا مقام و بعض اصوات عصافير لم تستكمل أوراق هجرتها ، عدا كل ذلك بقي اتفاقنا مصانا ومحميا في الأغلب الا في المرات القليلة التي يأتي فيها السيل ، حينها نكسر العهد ونغني معا. 2 تعلمنا مبكرا انه على كل شاعر وليكون شاعرا ان يحمل نبوءة ما ، او يكتب اغنية أغنية واحدة على الأقل او يجترح جنونا واحدا وقبل ذلك وبعده ان يكون عاشقا مست جمرة الحب قلبه ، اتذكر كل هذا وافكر فيه وانا استعيد أسماء كل هذا العدد الهائل من الشعراء، واتساءل إين اغنياتهم , إين جنونهم و أي نبوءات حملوها او بشروا بها ، أطرح هذا الأسئلة على نفسي و انا في الوادي لأن جنيات الشعر تسكن الاودية ، ولعلي اصادف احداهن تفسر لي لم تخلى الشعراء الذين ما عادوا شعراء عن الشعر،؟ او لعلها تتلبسني واغدو شاعرا ، فالشعراء يفوزون هذه الايام حتى وهم سيئون دون جنيات ، دون حبيبيات وفوق ذلك محصنين بالادعاء انهم شعراء حتى أننا لم نسمع يوما عن محاكمة شاعر سيئ ، يفترض فيه ان يكون مبشرا بالأحلام بالنبوءات و بقيم الجمال والجنون الجميل ، لكن أحدا لم يفعل , و غدت احلامنا فقيرة وخيالاتنا فقيرة و تلبستنا كلنا كآبة التعقل ، والويل لأمة حتى شعراءها عقلاء . 3 لماذا الوادي؟ العلو مُشتت ، مشاهد ومنظور ، و في الوادي شيء من الصمت من الأبدية ، ومن بكارة الاشياء، و من بقايا مادة الخلق الأولى ، في الوادي كبرياء الجبال و عنادها ولأنه من الجبال تبتدأ الاوديه . لماذا الوادي؟ لأنه ليس ثابتا حتى وان بدى كذلك، لأنه ليس رملا ولا ماء ، ليس طريقا ولا فضاء، وليس رحيلا ولا انتظارا، انه كل ذلك وهو مسار طويل من الجبل الى البحر، و فيه شجر يخلق رفقة ما ، و فيه ازهار قليلة تباغت بالبهجة ، وشوك ايضا للتيقظ ، ولأنه رفاهيتي المطلقة التي امتلك، رفاهية ان اكون وحيدا صامتا وصاخبا بين ذاتي وذاتي . 4 لماذا الوادي؟ لأنه مكتبي الذي لا احمل مفاتيحه في جيبي بل ادفنها تحت اي صخرة وأستعيدها كل فجر، وليس مهما ان اضعت تلك الصخرة، فهناك نسخ من تلك المفاتيح بعدد صخور الوادي. لماذا الوادي؟ لأني ما زلت احلم ان اصادف احدى جنيات الشعر وتتلبسني فاغدو شاعرا ومرضيا عني، بل و خيل لي ذات فجر اني صادفت احداهن وفرحت، لكن يبدو اني لم اكن مقنعا لها ، او لأنها ظنت ان تعارفنا جاء متأخرا وبلا مستقبل، كل شيء في حياتي يأتيني او اصله متأخرا ، الحب والشعر وراحة البال او لعلها قدمي تسلك الطرقات الخاطئة. 5 انا انزل الوادي ولا أخاف شيئا سوى الاعتياد، اعتياد هذا الوادي القفر ظنا ان كل الاودية هكذا ، اعتياد هذا الشعر السيء ظنا ان هذا هو الشعر ، واعتياد هذه الكتابة المفتقرة للمعنى باعتبارها كتابة و اعتياد العادي، الرضى بالسفوح عن القمم والعيش ضمن حدود الكفاف، اخاف الاعتياد والرضى و ( لعل اعظم خطيئة هي الرضا) . ٦ وقد اغادر الوادي، اترك الكتابة واهجر بهجة الشعر، وربما لا اتحدث حتى مع نفسي ، لكني سأظل بحاجة الى الشعر عندما يكون شعرا، وللجينات عندما يغدون ملهمات للحياة ولموسقة العالم وللنبوءات وبشارات للعاشقين.