سارد نبيل وصحفي مكتنز بالشغف والوعي
عرفتُ علي محمد حسون قارئاً قبل أن أعرفه شخصاً، وقبل أن أتعرف إلى شقيقه الأصغر عدنان حسون، زميل الدرب وصديق العمر. عرفته عبر كتبه ومقالاته، ومن خلال حضوره الثقافي الذي كان يسبق اسمه إلى القارئ. غير أن لحظة التحامنا الإنساني جاءت لاحقاً، حين دار بيني وبين عدنان حديث عن مقال لعلي حسون كان قد امتدح فيه نصاً شعرياً لم يرق لي. يومها حفّزني عدنان أن أكتب له رأيي بصراحة، لا مجاملة فيها ولا تحفّظ. فعلت ذلك، وأرسلت رسالة ناقدة إلى علي حسون، وأنا أعلم أنه لا يعرفني، ولا يعرف شيئاً عن علاقتي بعدنان. ما لم أكن أتوقعه أن أستيقظ في اليوم التالي لأجد رسالتي منشورة كاملة في زاويته بالصفحة الأخيرة من صحيفة البلاد. لم يختصرها، ولم يخفّف حدّتها، بل قدّمها للقراء كما هي، وختمها برجاء أن أواصل الكتابة، قائلاً إنني – بحسب وصفه – أمتلك تلك اللغة والحس الجميلين. في تلك اللحظة، أدركت أنني أمام طود ثقافي لا يخشى النقد، وأمام عقل صحفي–أدبي يرى في الحوار قيمة، وفي الاختلاف فرصة للفهم لا سبباً للإقصاء. من هنا بدأت علاقتي بنصوص علي حسون، لا بوصفه رئيس تحرير أو اسماً صحفياً، بل بوصفه كاتباً واسع الأفق، يرى في الكلمة فعلاً معرفياً، وفي النشر مسؤولية أخلاقية وثقافية. ليس من اليسير أن يمرّ الكاتب بتجربة الصحافة اليومية المرهِقة دون أن تترك آثارها على صوته الإبداعي، غير أن علي محمد حسون كان من القلة التي نجحت في تحويل هذه التجربة من عبء إلى مورد، ومن ضغط إلى أداة وعي. فهو ينتمي إلى تلك السلالة من الأدباء الذين خرجوا من رحم الصحافة، مثل غابرييل غارسيا ماركيز، حيث لم تكن المهنة عائقاً أمام الخيال، بل تدريباً صارماً على الدقة والانتباه للتفاصيل والإحساس بالمفارقة الإنسانية. في هذا السياق، تبدو تجربة حسون مدينة للصحافة بقدر ما هي متجاوزة لها، إذ منحت كتابته صلابة الواقع وحرارة المعنى في آن. ظل القاص والروائي فيه حاضراً خلف ضجيج الأخبار، يكتب بروح من يرى في السرد فعلاً ثقافياً لا ترفاً جمالياً. تنوّعت أعماله بين الرواية والقصة والنص الوجداني، وكانت مشتبكة دائماً مع الهم الاجتماعي والأسئلة الفكرية، لا بوصفها قضايا آنية، بل باعتبارها مرايا لتحولات الإنسان والمجتمع. وقد أضفت عليه الصحافة عيناً يقِظة، ترى ما وراء الوقائع، وتلتقط ما لا يظهر في السطح. في كتابته، يتقدّم المكان بوصفه ذاكرة حيّة لا إطاراً جامداً. فالمدينة المنورة، بما تختزنه من روحانية وتاريخ وحكايات طفولته فيها، شكّلت أحد منابع وعيه الجمالي والسردي. من هذا الفضاء خرجت أعماله مشبعة بندى المكان ودفئه، كما في “الطيبون والقاع”، حيث تتداخل الجغرافيا مع المصير الإنساني، وتغدو الأزقة والبيوت جزءاً من نسيج الحكاية. وفي نصوصه اللاحقة، ظل يستدعي الذاكرة عبر “شباك الذكريات” و“شخصيات وذكريات”، ليعيد إلى الزمن وجوهه وملامحه وارتعاشاته. وقبل أن يصل إلى رئاسة تحرير صحيفة البلاد، كان حسون قد راكم حضوراً ثقافياً مؤثراً في صحيفتي عكاظ والمدينة، حيث انحاز باكراً إلى الثقافة بوصفها جوهر العمل الصحفي. وفي المدينة، برز دوره عبر ملحق الأربعاء الذي تحوّل إلى فضاء حي للنقاش الفكري والملفات الثقافية العميقة، مقدّماً مادة نوعية أسهمت في تشكيل وعي قرّاء، وربط الصحافة بأسئلة الأدب والمعرفة. كما أن علاقته بالكتّاب والأدباء لم تكن علاقة عابرة أو بروتوكولية، بل امتدت عبر صداقات ومواقف وحكايات وطرائف، تشكّلت في المقاهي الثقافية، وفي جلسات النقاش، وفي كواليس النشر. كان قريباً من الوسط الثقافي، منصتاً لتجاربه وتحولاته، ومتابعاً للأصوات الجديدة، وهو ما منح كتابته بعداً إنسانياً وحوارياً يندر في نصوص كثيرة. وحين تولّى رئاسة تحرير صحيفة البلاد، لم ينفصل عن هذا الهم، بل حمله معه بوصف الرئاسة واجباً مهنياً لا بديلاً عن هويته الثقافية. ثم، منذ سنوات، ترجل عن كرسيها ليخلو إلى مكتبته وقراءاته، مستعيداً زمن الكاتب في أصفى حالاته. في هذا الأفق الأكثر هدوءاً، واصل الاشتغال على مشروعه السردي والفكري، بوصفه شاهداً وثيقاً على الصحافة وتحوّلاتها، وعلى أجيال من الرواد والمثقفين والكتّاب الذين عاصرهم وشاركهم المشهد. منذ “حوار تحت المطر” وحتى أعماله اللاحقة، ظل علي حسون يكتب ليبني عالماً لا ليؤرشف حياة. هكذا تتكثف تجربته اليوم: مزيج من خبرة الصحفي، وذاكرة المثقف، وحساسية الروائي، في كتابة ترى في الكلمة فعلاً للوفاء، وفي السرد شكلاً من أشكال مقاومة النسيان.