عميد أسرتنا الذي يعالج الأخطاء باللطف والحكمة
ليس كل من تقدّم به العمر يتحوّل إلى علامة في الذاكرة؛ فثمة رجال تتقدّم بهم القيم قبل السنين، وتسبق حكمتهم أعمارهم. رجال إذا حضروا خفَتَ الضجيج، وارتفع المعنى، وساد الوقار. والأستاذ علي محمد حسون واحد من أولئك الذين يشبهون الأجداد الكبار؛ حكمةً، وثباتًا، وسمتًا راسخًا، حتى غدا اليوم عميد الأسرة وصوتها الهادئ الذي يُحتكم إليه عند المنعطفات. يمشي بين الناس بروحٍ متجذّرة في الأصالة، كأن الزمن أودع فيه صفاء المبادئ ونقاء الخُلُق، فبقي ثابتًا رغم تبدّل الفصول وتسارع الإيقاع. وجوده ليس حضورًا عابرًا، بل حالة من الطمأنينة؛ مجلسه مدرسة غير مُعلنة، وحديثه مرآة لتجربة طويلة صقلتها الحياة دون أن تُقسّيها. ومن أكثر صفاته حضورًا ولفتًا للنظر، تلك السمة الهادئة التي يعرفها كل من اقترب منه: الصمت الجميل. صمتٌ ليس انكفاءً ولا انسحابًا، بل حكمة تمشي على مهل. اعتقدنا طويلًا أن هذا الصمت حكرٌ على محيط الأسرة، فإذا به سمة يعرفها عنه أصدقاؤه وزملاؤه في شارع الصحافة، حيث يُلاحظ حضوره الصامت بذات العمق والوقار. وحين يتحدث، لا يعلو صوته، لكن الإصغاء يعلو من حوله؛ كأن كلماته تُنصِت قبل أن تُقال، فينصت لها الجميع دون طلب. الجلوس معه ليس مجرد لقاء، بل تجربة إنصات راقية؛ ففي حضرته يتعلّم الجميع فن الإصغاء قبل الكلام. أحاديثه تمتزج فيها الثقافة بالأدب، والتجربة بالحياة، تُروى بسلاسة بعيدة عن التكلّف، وقريبة من القلب، تعيد ترتيب الذاكرة بلغة صادقة لا تعرف الادّعاء. تميّز، حفظه الله، باحترامه للصغير قبل الكبير داخل الأسرة، وهي خصلة نادرة جعلته محل تقدير واسع، ليس داخل الأسرة فحسب، بل في محيطه الاجتماعي عمومًا. احترامه لم يكن سلوكًا عابرًا أو مجاملة اجتماعية، بل قناعة راسخة بأن الكرامة الإنسانية حقّ مشترك، لا يُقاس بالعمر ولا بالمكانة. وبصفته عميدًا للأسرة، اتّسم بأسلوبه المسالم في معالجة الخلافات، رافضًا القسوة حتى في التصحيح. فإذا وقع خطأ، عالجه بلطفٍ وحكمة، يُصلح دون أن يجرح، ويُوجّه دون أن يُحرج، فتتحوّل المواقف إلى دروس أخلاقية باقية الأثر. وفي داخله روح إنسانية نبيلة، سبّاقة إلى الدعم المعنوي، حاضرة عند الحاجة، قادرة على الاحتواء قبل النصيحة. لا يفرض رأيًا، بل يزرعه بهدوء، ولا يرفع صوته، لأن حكمته كانت دائمًا أعلى من أي ضجيج، وصمته أبلغ من كثير من الكلام. إن عمي علي محمد حسون قامة إنسانية واجتماعية رفيعة، وعميد أسرة يجسّد معنى القيادة الأخلاقية؛ يُشبه الأجداد في وقارهم وحكمتهم وسلامهم الداخلي، لكنه حاضر بيننا اليوم شاهدًا حيًا على أن القيم الأصيلة لا تزال تمشي بين الناس في هيئة رجال. حفظه الله، وأطال في عمره، وجعل مجلسه عامرًا بالحكمة، وصمته ناطقًا بالمعنى، وحديثه حيًا في الذاكرة، وأثره ممتدًا في القلوب… نموذجًا للإنسان الذي يقود دون تعالٍ، ويُعلّم دون أن يجرح. *ابن أخ الأستاذ علي حسون وكاتب صحفي وقاص