وزير الثقافة والإعلام الأسبق يكتب مقدمة كتاب “خطى في شارع الأشواك”..
إياد مدني: أعمال “الحسون” الروائية رائدة في بيئة ثقافية لا تعبأ كثيراً بالقصة والرواية
** نص المقدمة التي كتبها معالي السيد إياد أمين مدني للكتاب الجديد للأستاذ علي محمد الحسون** -في هذه الصفحات يعرض على حسون وقفات مستلة من مسيرته الطويلة في عالم الصحافة التي بدأها مندوبا لصحيفة “المدينة” ثم مديراً لمكتبها في المدينة المنورة، وتوجها برئاسة تحرير إحدى أعرق الصحف السعودية، صحيفة “ البلاد”. وبين النقطتين، قدر له العمل تحت قيادة ثم مزاملة بعض رواد الصحافة وأساتذتها في المملكة العربية السعودية. وتضئ هذه الوقفات بعضاً من حنايا ومتكآت العمل الصحفي، وكيف يفهم الصحفي مسؤوليته ورسالته كصحفي، والصور التي يأخذها الحس الصحفي حين تسنح فرصة السبق بخبر أو انفراد بتغطية حدث. فالصحفي ليس موظف علاقات عامة مهمته إظهار جهته في إطار من التوهج والإيجابية، كما أنه ليس متحدثا باسم إدارة ما يمنطق قراراتها وخطواتها، بل هو عين تنقل ما تراه ببصيرة وحيدة، وادراكا عميقا لقيم ومصلحة مجتمعه. يبحث عن الخبر، يغطي الحدث، يستنطق المسؤولين، ويفهم ويشرح العلاقة بين ما يبدو متناثراً من أخبار وأحداث. وهو وإن اقترب من المسؤولين وأصحاب القرار، يحرص وينمي علاقاته ومصادره، لا ينزلق إلى تصور أنه أحدهم. وفي الوقفات التي اختارها علي الحسون، على قصرها، نجد ملامحها لمثل هذه الصفات. كيف اكتسب ثقة أمراء منطقة المدينة المنورة، كيف لم تعقه هيبة بعض القادة من استمالة اللقاء بهم إلى الزوايا التي تهمه، كيف دفع به حسه الصحفي إلى إدخال الكاميرا حين لم يكن لها مكان، وكيف للصحفي أن يسائل بناءً على معلومة صحيحة، تصرف جهة أو مسؤولاً دون تجريح أو تعريض. الحس الصحفي هو في النهاية إحساس عام يُمكن صاحبه من أن يتوقف أمام من وما يمر عليه من أشخاص ومظاهر اجتماعية، ويرى فيها ما لا يراه غيره. هو عين ترى المجتمع وأفراده، والأحداث ومجرياتها بعين من يصبو لأن يفهم لا ذاك الذي يبحث فقط عن نصف الكأس الفارغ. ويتبدى لنا هذا الحس المجتمعي عند علي حسون في بعض كتبه، إضافة إلى مسيرته كصحفي. نجد ذلك في كتابه” شخصيات وذكريات” الذي ضم فيه لمحات استوقفته لنحو ستين شخصية مر بها ومرت به. بعض من كبار القوم ونماذج الناجحين وعيون المجتمع والمثقفين، إلا أنه لم ينس في خضم كل هؤلاء “سيدي كامل” و “وحيدة” صاحبة الفرن الشهير في برحة من برحات زقاق الشونة بالمدينة المنورة. فعن سيدي كامل كتب علي حسون : “لا أعرف، وأعتقد أن كثيرين غيري لا يعرفون من أين هو ولا أين يعيش دائما؟ حيث كانت معظم البيوت مفتوحة أبوابها له في كل وقت وكل حين”. لقد كان أحد “الشخوص “ الهاربة إلى بارئها المليئة بها تلك المدينة المنورة. كل واحد منهم يشكل “قماشة” واسعة لرواية مشبعة بالرواء “ الحكائي” الحميم الذي يمكن الروائي أو القاص من أن يعطينا فنا روائيا أين منه كثير من الروايات التي تقرؤها هنا وهناك، كهذه الشخصية المبهرة والمتصوفة حتى الثمالة في تصرفاتها. بكل هذه التهويمات كان سيدي كامل شاحناً للذاكرة ومسيطراً عليها بأسطورته الفريدة العجيبة. إنه أحد الشخوص المسكونة بهالة من الأسرار التي كانت تحيط به، والتي كانت تبرزها بعض تصرفاته التي كانت ومازالت - رغم مرور السنين - محل استغراب وتساؤل. وكتب عن “وحيدة”: “إنها سيدة في إهاب رجل، لها شخصيتها ولها أسلوبها الذي تمارس به حياتها. كانت تقف في صمود وسط تلك الحفرة أمام وهج لهب نار الفرن المشتعل، فيقذف بشظايا جمرة القاني، فيتفصد على جبينها ذلك العرق الذي تمسحه بين لحظة وأخرى بطرف من كم جلبابها الأسود الساتر لكل جسمها وهي تدخل أقراص الخبز على تلك المطرقة الخشبية في ذلك الفرن” . “كانت سيدة لم يُرَ فيها غير عملها الذي تقوم به، لم يتوقف احد أمام سؤال، وهو سؤال لم يكن مطروحا أيامها: من أين هي؟ السؤال المرفوض في ذلك المجتمع المتسامح. لقد كانت في ذلك الفرن الواقع في مدخل حارة «الشونة» حيث أطلق اسمها على الفرن، فرن وحيدة”. ولعل هذا الإحساس بمجتمعه في المدينة المنورة وقدرته على التقاط التفاصيل التي تجسد صور الحياة، وتشبثه الدائم برفقة الكادحين، وسنوات عمره التي قدرت له العيش عبر مراحل التغيير الاجتماعي والمادي، وراء ما كتبه في رواياته. فقد كان الروائي حاضراً فيه لا تغيبه أعباء العمل الصحفي ولهاثه. ويمكن أن ننظر إلى بعض أعمال علي حسون الروائية كأعمال رائدة في بيئة ثقافية لا تعبأ كثيراً بالقصة والرواية في زحمة انهماكها في قدسية المكان وعبق تاريخه. وتأتينا صور من تفاصيل الحياة في رواية علي حسون “الطيبون والقاع” وهو يرسم شخوصها وسياقاتهم. “مديده المعروقة في هدوء، تناول منها الإناء، وأخذ يتلو بعضاً من كلام اللّٰه والماء (يترجرج) على حوافي الإناء. كانت ترمقه في صمت ورجاء. وكثير من الإعجاب به. فهو السيد المطاع والذي له دالة على كل أصحاب الحي. وبحرص وخوف أمسكت بالإناء وهي تخطو إلى الخارج. اخترقت تجمع الصبية الذين افترشوا الأرض في وجوم وعباس يتوسطهم. كادت تقع على الأرض وهي تحاول أن تتحاشي بعض الأغنام التي ربضت في الزقاق الضيق، الغرفة مغلقة، ومبخرة (الجاوي والفاسوخ) يتصاعد منها الدخان أمام (الدرجة) التي كسرت عليها (بيضة) جفت أطرافها”. و”سيارة مرقت كالسهم، تطاير من تحت عجلاتها بعض الحصي المفروشة به الطريق. عربات الكارو بدأت في الهبوط حاملة من المزارع بعض الخضروات والتمور، وصبية من حي آخر يجرون خلفها صائحين: (عميه. ياعميه) قذف عليهم صاحب العربة بحبات من التمر. التقط إحداها بسرعة”. أما صالح، فقد “ جلس أمام أكوام النعناع والورد والفجل، أصوات الباعة حوله تأتيه مختلطة. فطورك يا صائم. من العائدين. يا عيش. زي الورد بستة هلل. عجائب يا شريك أبي السمسم. ميدان باب المصري المزدحم بالوجوه كلهم في عصر رمضان له بريق خاص” . كما “ أخذ محمود مكانه على (دكة) الدكان بعد أن سبقته الشلة إليها. قال بروح العليم ويده تعبث في كون الفل المنثور على كيس الخيش المنبسط في الوسط: هل سمعتم آخر الأخبار اليوم؟ الإنجليز جماعة (أبوحنيك) ضربوا بريطانيا. استلقى حسن على قفاه ضاحكاً وهو يقول: سامعين بيقول إيه؟ الإنجليز ضربوا بريطانيا!! أنت من معرفتك بالصحابة ترضى عن عنتر” . “الدكاكين بدأت تغلق أبوابها. الكل يجري في عجلة إلى المسجد. ميدان باب السلام تحول إلى حلبة سباق. والدكاكين المطلة على الميدان لفتها أشرعة قماش (السليطي) . بائعة اللوز أخذت تلملم أشياءها في هدوء. وطفل بجانبها ملقى على الأرض يصرخ عاريا. دخلا إلى المسجد ورائحة دهن العود تأتيهما من داخل المسجد.غمرها شعور بالهدوء والاطمئنان. انتظما في الصف وكل ما في داخلهما إحساس عميق بالرضا”. ذلك الإحساس بالآخرين والنظرة المتأملة اللاقطة لمن وما حوله هي التي تجعل من علي حسون مذاقا مختلفا ونكهة مميزة في الساحة الصحفية الثقافية. إياد أمين مدني- المدينة المنورة.