قصة قصيرة

المَجدور .

مضت ساعاتُ الصباح القروي رتيبةً على المعهود، فكلٌ على عادته يعالج شؤون مزارعه أو مواشيه، أو شأنًا آخر من شؤونه، وفجأة اشرأبت عيون الناس نحو السماء، والطائرةُ المروحية تجوبُ سماء القرية، تقترب، توشك أن تهبط وضجيجها المرعب يملأ الأرجاء، وهواء مروحتها الضخمة يعصف بالأشجار، تجمهر الأطفال أمام البيوت، وامتلأت جنبات القرية بالرجال الحائرين، والشباب المتطلعين، والمروحية تهبط في إحدى المزارع، تطرح سنابل الشعير أرضًا. اصطَفَّ رجالُ القرية يتقدمهم المطوِّع، لاستقبال الرجال الهابطين من السماء، تحدثوا قليلاً ثم رافقهم بعض الرجال إلى بيت المطوِّع، وعاد الآخرون إلى شؤونهم، بينما اجتمع صبيان القرية حول الطائرة، يقتربون بحذر، ورؤوس النساء تبدو من النوافذ ومن فوق الأسطح يطالعن هذا الكائن الغريب، الذي لا يعرفن سببًا لهبوطه المفاجئ على القرية، ولكنهن يعتقدن ألا خير وراء هذا الاقتحام. *** يجلس القرفصاء على مصطبة بجوار غرفته التي تتوسط الجانب الغربي من بيوت القرية، اعتاد أن يخرج من غرفته ضحىً يتشمَّس فإذا اشتدَّت حرارة الشمس دخل غرفته حتى ضحى الغد، غرفةٌ مظلمة عَطِنَة، يتسرَّب إليها الضوء عبر نافذة صغيرة تلامس السقف. كان فيما مضى يأوي إلى غرفته ساعات النوم وحسب، أما بقية الوقتُ فيزجيه في شؤون أهل القرية، يجوبُ الطرقات من بيت إلى بيت، يُقابَلُ حيثما ذهب بالترحاب، فلديه أخبارُ القرية والقرى المجاورة، يشاركه الجميع أحاديثهم وطعامهم، وأسرارهم أيضًا؛ فهو يدرك أن قبول الناس به ضيفًا دائمًا يقتضي منه إدهاشهم وخدمتهم وحفظ أسرارهم. تغيَّرَ كلُّ شيء منذ ظهرتْ بثورُ الجُدَرِي على جَسَدِه، فاجتنبَه الناس، ونأى بنفسه عنهم، ونهاه المطوع عن دخول المسجد، ولم يعد يراه أحدٌ إلا في ساعات من الضحى، في المكان نفسه، حيثُ يجدُ ما وضعَ جيرانُه من الطعام والشراب. *** الأنظار تتبع الرجال الهابطين من السماء يرافقهم المطوع، يسلكون الطريق المؤدي إلى المسجد، ولكنهم يجاوزونه، باتجاه بيوتِ غربيِّ القرية، يسيرون في الطريق المؤدي إلى بيت المجدور، وقفوا على مسافة تتيح له سماع كلامهم، كثرت التوقعات حول ما يدور من حديث بينه وبين المطوِّع، يرتفع الصوت ولكن لا أحد يستطيع فهم ما يُقال، تركهم ودخل إلى غرفته، وبقي المطوع والرجال الهابطون من السماء يتحدثون، والمطوع يشير إلى جنبات القرية، طال الوقت، ونفد صبرهم، فاقتربوا قليلًا من الباب، ونادوه، فخرج إليهم، وتبعهم في الطريق الذي أتوا منه. حين اقتربوا من المسجد تركهم وانحرف ناحيةَ الشجرة العملاقة التي تتوسط القرية، وقف المطوع ورفاقُه يرقبون خطواته، وهو يقترب منها، ويحتضن ما وسعته ذراعاه من جذعها الضخم، ويغرس وجهه في أحد تجاويفه، لم يرغبوا إرباكه، ولكنَّه أطال العناق، ولَـمِسَ المطوِّع تَمَلمُلَهم فحاول إلهاءهم بالحديث عن شجرة التالِقَةِ، التي يفتخر المجدورُ بأنها ما تبقى من آثار أجداده الذين استوطنوا القرية قديمًا، واستنبتوها، ورعوها، لتبقى شاهدةً على أسرةٍ آذنت آخر أرواحها بالرحيل، استدار إليهم ودموعه تسيل بين البثور المنتشرة على خديه. *** زمجرت الطائرة، وأسرعت مراوحها، وعصف الهواء بالزرع، والأشجار القريبة، نهضت الطائرة عن الأرض، والمجدور يجلس مائلاً بوجهه على زجاج النافذة، ينظر إلى القرية، بما تبقى من نور عينيه الـمُقرحتين، والقرية تصغُر في عينيه حتى حجبتها الدموع. بينما أهل القرية يُتبعون المروحية أنظارَهم، وهي تبتعد ويخفت صوتها، ثم تغيب وراء الأفق، ويعود الهدوء إلى القرية، إلا من أحاديثَ عن المروحية التي اخترقت صمتها، وبعثرت هدوءها، وَعَرَجَتْ بأطيبِ رجالها، وأنفعهم للناس، وتساؤلاتٍ مشفقة عن مصيره.