لقد أطلقني أبي إلى وجه الحياة منذ أن بدأت ألبس عمامتي لأول مرة، وهو يقول لي: “لقد بلغتَ مبلغَ الرجال”. لم تكن الحياة بالسهولة نفسها التي كانت تصورها عيون طفولتي، بل كانت عبئًا متجددًا يتراوح في قسوته وقهره، في برده وهجيره، ولكنني كنت أؤمن أن الرجل لا يجدر به أن يشكو حتى ولو كان طفلًا. لم يكن هاجسي الوحيد أن أتجنب العقبات، بل كيف أثب من فوقها بعزّة حتى ولو ملأتني الجروح. علمت أن الله موجود في كل أنحاء منزلنا؛ لأن أبي كان يتنقل بسجادته في كل حجرة وهو مُجلّل بالخشوع؛ ليغنمَ شواهدَ كثيرة يحاجّه بها عندما يلتقيه أخيرًا، وعرفت أن الحبَّ دثار آمن تلتحفه النفوس الرحيمة، وذلك ما أكدّه لي حضنُ أمي حينما يحتويني بعطف وهي تمسح على رأسي الحليق بيدها العارية وتجلسني على حافة النافذة، وتهمس لي بشرود وهي تتابع غيوم الطائف السخية: “كُن شيئًا مذكورًا يا ولدي، كُن يدًا منتقمةً أصفع بها وجنة الخوف”، وكنتُ لأكون أيَّ شيء عظيمًا لأجلب الطمأنينة إلى وجه أمي المخطوف الذي نضبت حرارته منذ فترة قريبة، وسكنه المجهول الذي أفرغها من الكلمات إلّا من تلك الكلمات الطيبة التي كانت ترتق قلبي الصغير، ومع أنها لا تجيد القراءة والكتابة إلّا أنها كانت تشرف على واجباتي المدرسية وتبعد دفتري مدّ ذراعها وتتفحصه مليًّا بعينيها الذابلتين، وكلما كانت السطور مكتنزة بحروفي الكبيرة المائلة المتعرجة، تخرج من فمها ضحكة بيضاء، وتقودني إلى مطبخ المنزل لتُعدَّ لي الحلوى البسيطة التي كانت تتألف من الدقيق والسكر والزيت، تشعل عليها النار في صاجنا الوحيد حتى تحترق وتتجانس في مذاق حلو ومنعش جدًا، كنت أتلذذ به وسرعان ما أرتدي “فروة” أبي الواسعة وأنطلق إلى الدكان في حذر وتوجس، وأترصد الدكان حتى تغض بالمتبضعين وتشيع الفوضى، فأمرق كالسهم وأجمع في جيوبي أكياسَ الزيتون والمعلبات وأرغفة الخبز التي أطويها مرارًا كيلا تسقط مني في أثناء هروبي إلى المنزل، كنت أعلم أن السرقة قد حرّمها الدين، وأعلم أننا لم نكن سوى ثلاثة أفواه، ولكنها أفواه جائعة ومتضوّرة. المرة الوحيدة التي رأيت فيها أبي يبكي أمامي علانيةً بدموعٍ خجلى هي عندما أخرجني من مركز الشرطة بكفالة بعدما وشى بي أحد رجال الدين الذي ضبطني مُتلبّسًا بسرقة الطعام، وقد نقلني بسيارته الفارهة التي كانت تقفز قفزًا فوق مطبات الشوارع حتى سلمني وأنا أرتعش إلى الخفير الناعس بجانب بوابة الشرطة. بقيت خائفًا تلك الليلة في ركن صالتنا بينما أغلقت أمي باب حجرتها عليها، وعاد أبي منهكًا بعد يوم ونصف قضاهما في سوق الخضار وهو يحمل الصناديق الثقيلة بمشقة إلى سيارات الزبائن لقاء أجر زهيد. كان أبي على الدوام هادئًا ومرتبكًا كغيم الليل إلّا حينما يشتعل فتيل الشعر في صدره، حينها يصبح الصوت الجهوري الواثق الذي يلطم جدران منزلنا في حزم وعظمة. اعتدت البقاء وحيدًا أمام تلفازنا المشوّش عندما يهرع أبي وينطلق بأمي، بوجه محتقن، وهو ينعش سيارتنا المتهالكة طوال الطريق حتى يصلا إلى طوارئ المستشفى، وما يلبثان أن يعودا بوجهين كاسفين مسحوقين، وبيدين مملوءتين بالأكياس المتخمة بالأدوية، لم تخبرني أمي بحقيقة مرضها، كانت كتومًا وتهوّن الأمر في نظري، ولكن كان صوتها يخبو، وجسدها يتقلّص بشدّةٍ مهولة عدا الكُتلة الناتئة من جانب حلقها فقد أخذت تتضخم بصمت كالبالون تحت طرحتها الحمراء التي تحرص دائمًا على تبخيرها بالأطياب وتغرز في خصاصتها خصلة ريحان يانعة. البطيخة الأولى والأخيرة التي أحضرها أبي إلى منزلنا انفلتت من على كتفه وانفجرت على بلاط الحوش حينما رآني جاثيًا على ركبتيَ وأنا أجهش بالبكاء الصامت وأهزُّ بحرقةٍ جسدَ أمي التي سقطت هامدة وبيدها عمامتي التي كانت تنظفها بالماء فقط في إناء الغسيل. تلقيت العزاء ولم أجده، وبردت عظامي في أثقل ملابسي، وشاخ أبي في أربعينياته وهجرته قوافلُ الشعر، وأصبحتُ أصلّي بشرودٍ إلى جانبه على سجادته القديمة الماحلة، وفي صدري مرارّة واعتراض، يشعر بهما أبي عندما أتأخر في متابعته في سجوده وركوعه؛ فيعمدُ إلى قرص ساقي بأصابعه المرتجفة.